29 views

لا بد من جنيف وإن طال السفر ـ نهلة الشهال

… ويقولون لك إن نجاح النظام السوري في استعادة السيطرة على بلدة القصير سيؤخر انعقاد مؤتمر جنيف المقترح كإطار دولي للتفاوض السياسي حول سورية، لأن النظام إياه بات يشعر بالثقة، أو أنه استردها، ولم يعد يحتاج إلى «جنيف»، أو أن هذا مؤجل بانتظار أن تحقق المعارضة نصراً مشابهاً في مكان آخر، ليستعاد توازن الموقف. وهم كانوا يقولون لك قبلها إن النظام السوري يحتاج إلى الانتصار في القصير ليعزز موقفه قبل الذهاب إلى جنيف. وهكذا… كأن جنيف ذاك مبتدأ المقال ومنتهاه، وفيه تتقرر الأشياء بغير رجعة.

هذا منطق في النظر إلى الأشياء يشبه تماماً، وإن تغيرت المفردات، ذاك الذي ساد على مدى السنتين ونيف الماضية، الذي كان لا يرى من المعمعة السورية المتعاظمة باضطراد، سوى سؤال سقوط النظام: يسقط أو لا يسقط، ثم مراهنات حمقاء على مواعيد سقوطه. وهو تبسيط اختزالي تشارك فيه الأعداء المتحاربون، بينما كانت سورية تخرج أحشاءها وتنشرها على الملأ.

وكان من يقول إن الأمور لا تجري على هذا المنوال، يجتذب سهام غضب وضيق الطرفين معاً: ما معنى هذا، «مع مَنْ» أنت؟ وإذا رحت تشرح أنك تعتبر النظام القائم نظاماً ملفقاً وهجيناً، علاوة على استبداده ودمويته، لكنك لا ترى أن لدى المعارضة القائمة الشروط الذاتية الجديرة بإسقاطه، ناهيك عن الظرف العام المحيط بالمسألة، حار بك القوم. «مع من؟»، تلك هي كلمة السر، ولو أنها ليست أبداً «افتح يا سمسم» السحرية. فهي لا تفتح شيئاً. وبدا الكلام عن «الاستعصاء المزدوج» الذي يسم الموقف، أي عجز النظام عن استعادة السيطرة والإمساك بالبلاد من جهة، وعجز المعارضة عن إسقاط النظام وكنسه من جهة أخرى… بدا كأنه تنظير مثقفين يعيشون في عليائهم ويتفلسفون!

ثم هناك خاصية ثانية لهذا المنطق التبسيطي، هي خضوعه للموضة، أو ربما توليده لهذه الموضة. ومنها مثلاً مقولة أن سايكس بيكو جديداً يرتسم. وبالمناسبة، فهناك سمة ترافق ماكينة فبركة الأفكار- المُوَض تلك، هي الحنق. فإن قلت إنك لا توافق على الفكرة البراقة، استُفز المقابل لك. لا يناقش، لا يستمع ولا يتمعن، لا يحاجج، بل «يأخذ على خاطره»، كأنك تسلبه لقية وقعت بين يديه. فتوضح: سايكس بيكو كانت شروطه على نقيض المشهد الدولي والإقليمي الحالي.

كان الاستعمار متماسكاً، علاوة على كونه أرضياً أو ميدانياً، يعبر عن نفسه بجيوش تحتل وقناصل تحكم (وهي، مع الفروق هنا أيضاً، تشبه الحالة التي أراد المحافظون الجدد استعادتها في حربي أفغانستان والعراق، اللتين انتهتا بما نعرف من فشل). وكان الاستعمار مجسداً بأطراف محددة، ولو متنافسة، وكان يرث امبراطورية وهنت على مدى عقود، وبإمكانه إقامة ترتيبات لهذه الوراثة. فما وجه الشبه باليوم، ومن هما سايكس وبيكو الحاليان، أو من هُمْ، لو افترضنا الجمع.

وحين تقول: بل ما يتهدد المنطقة هو تذرر وتفكك عظيمان، بمسميات مذهبية هي وحدها ما يقوى على الفعل، من دون أن يعني ذلك تغييراً (رسمياً على الأقل) في الحدود وفي تعريف الدول، وأن الرهان في سورية على مقدار النجاح في إبقائها «حرباً محتواة»، راح من يقف مقابلك يسعى إلى تعيين الخدمة المركنتيلية التي قد تكون أنت في صدد تقديمها، والجهة المستفيدة من كلامك. «مع من؟» مجدداً.

وهناك من يفرد خرائط ويقول: بل السر كل السر هو الصراع على ممرات النفط والغاز، ومَن يمد أنابيبهما الناقلة ليبيعهما إلى أوروبا، وأنها في النهاية «لعبة أمم» جديدة. فإن وافقت على أن الاعتبار جدير وقائم، والصراع فعلاً محتدم، لكنه واحد من عناصر أخرى، وهو لا يتحكم أوتوماتيكياً بالمسارات السياسية، ولا توجد غرفة سوداء لإدارته، نُعتَّ بالسذاجة، فـ «إنه الاقتصاد يا غبي». كأنه يعاد اكتشاف أن المصالح هي من المحركات الأساسية للسياسة. ترى لماذا الخيال السياسي هنا مصاب بهذا المقدار من القحط، فلا يخرج من دائرة ما عرف وخبر في الماضي من وضعيات ومسميات؟

حسناً، وماذا عن جنيف؟ هو إطار، وليس معجزة. من الضروري والمفيد أن يرتسم بأسرع ما يمكن، وذلك سيحصل على أية حال، كما في كل الأزمات الكبرى، ولو بقي الإطار فارغاً لوقت، أو بطيئاً أو متغيراً متقلباً، ومنتكساً أحياناً… لكن إرساءه لا يعني إنجازه. هذا أولاً. كما أن نتائج معركة القصير، سلباً أو إيجاباً (بحسب الأهواء!) ليست ما حال دون انعقاده… إن قلت ذلك دفعك مقابلك نحو الحسم: ينعقد أو لا ينعقد؟ ومتى؟ تُذكِّره، على مضض وعلى رغم حذرك من التشابيه والمقارنات، بأن هناك بخصوص الحرب الأهلية في لبنان نحو خمسين محاولة جرت قبل الطائف، فهل يعني ذلك أنها كلها فشلت ونجح هو، أم أنها بانعقادها، وحتى بفشلها، كانت تمهد الطريق للطائف، من بين ممهدات وشروط أخرى.

وإن قلت إن بشار الأسد ليس «أشطر» من صدام حسين مثلاً، بل هو ربما امتلك حظاً «يفلق الصخر»، ضاع أكثر من يقف مقابلك: «مع من؟» إذاً. تذكِّر بأن مأزق صدام وقع فيما كان الاتحاد السوفياتي يتفكك وينهار، بينما يحتمي بشار الأسد خلف روسيا التي تستعيد اليوم، وبعد عقدين، طموحات صعودها، وتدافع عن مواقع لها ومصالح في المنطقة، وفيما إيران تخوض ايضاً منازلة دولية حول موقعها ومصالحها، «صودِف» أنها ترتبط بسورية.

وحين تؤكد لمقابلك أن الأمر ليس «مع وضد»، وأنك بالتأكيد «ضد» نظام بشار الأسد، لألف سبب وجيه، وأن مصدر قلقك ليس فزاعة «جبهة النصرة» كبديل محتمل له كما يقال، ولو أنك «ضدها»، وأنك تعتبر أن للشعب السوري الحق في التمرد طلباً للكرامة والأمان والحرية والطعام… بل تشغلك المعطيات السالفة، وهي «موضوعية»، وأنك لا تسعى إلى أي موازنة أو تفضيل، ولا تستخدم منطق الفيزياء حيث السالب والموجب يلغي واحدهما الآخر، وأن النظر إلى الواقع وتوصيفه وتحليله لا يتبع الرغبات، ولا يجري وفق انحياز يشبه كثيراً ذاك الحزبي العُصابي، يعتبرك مقابلك نافلاً: ألا ترى ما يجري حولك؟ تخنْدق!

 

الحياة ـ ٢٣ يونيو ٢٠١٣

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة