51 views

الجهاد بين السعودية وبريطانيا ـ د. مضاوي الرشيد

تصوروا لو ان الداعية السعودي المشهور محمد العريفي استبق رحلته الى لندن بخطبة جمعة حماسية تشد همم شباب السعودية وتدعوهم للجهاد فيفلسطين ثم أتى الى لندن ليجمع التبرعات في شوارع لندن ويحدث جمعيات ومؤسسات المسلمين فيها عن مآسي الفلسطينيين تحت الاحتلال ويحثهم على الجهاد ونصرة اخوانهم.

فهل يا ترى كانت القنصلية البريطانية مستعدة لالصاق تأشيرة الدخول على جواز سفره ليأتي بعدها الى بريطانيا ويلتقط صورة مع شباب مسلمين في احياء لندن المكتظة بالسكان. وهل يا ترى كانت السعودية ستسمح له بالسفر؟ وما هو موقف الصحافة البريطانية واللوبيات المسيطرة عليها من الزيارة المفاجئة؟ اما في السعودية فالصحافة المحلية خرجت بانتقادات لدعوات العريفي للجهاد في سوريا وتهكمت على الداعية المجاهد في لندن وهي تعكس بذلك موقفا سعوديا مواربا اذ ان السعودية تدفع بقوة مشروع تسليح المعارضة السورية وربما شكليا تتحفظ على دعوات الجهاد في سورية والتي اصبحت روتينية يطلقها الدعاة المتفرقين او محافل علماء المسلمين كان آخرها في مؤتمر علماء المسلمين بالقاهرة.

وبما ان ساحة الجهاد ليست فلسطين نجد بريطانيا والسعودية لا تختلفان في موقفهما من قضية دعاة الجهاد حيث في كلا البلدين لا يزال الموقف واحدا ولا اختلاف على ضرورة انهاء الازمة السورية باسقاط نظام الاسد في دمشق.

ومن هنا صمتت الاصوات البريطانية على زيارة العريفي تماما كانت في فترة الثمانينات حيث اشتعل الجهاد الافغاني واشعل مخيلة طيف كبير من مسلمي بريطانيا وكذلك فترة الصراع في ابوسنة حيث هو ايضا كان مشروعا فهب مسلمو بريطانيا لنصرة مسلمي البوسنة وجمع المعونات وترتيب حملات الاغاثة دون ان يخلق ذلك حرجا للحكومة البريطانية ولكن ما ان دخلنا مرحلة ما بعد 11 سبتمبر حتى تعالت الاصوات الرسمية البريطانية ترهب وتحذر من التطرف الاسلامي خاصة بعد ان شهدت الساحة البريطانية تفجيرات انهت حالة الهدنة والميثاق التي اعتقدت بريطانيا انها استطاعت ان تضبط به تداعيات الوجود الجهادي على ارضها فطالما ظل هذا الجهاد موجها للخارج ويتوافق مع مصالحها السياسية لطالما ظل الباب مفتوحا. ونحن اليوم بصدد حالة مماثلة لتلك الفترة بين الثمانينات والتسعينيات وربما نشهد بعد الازمة السورية عودة الى تجريم الجهاد وانطلاق دعوات رسمية لتأديب وتهذيب المجاهدين الذين قد يجدون انفسهم متهمين بالارهاب لحظة عودتهم الى بريطانيا. وستخرج اصوات الجالية المسلمة البريطانية ذات الاصول الآسيوية تحدثنا عن تلك الفئة المندسة القادمة من بلاد العرب والتي تشوه اسلامهم بذلك الاسلام السعودي المتطرف وتنأى بنفسها عن فتاوى علماء السعودية والتي تتحول فجأة الى فتاوى لا تصلح لمجتمع مسلم مهاجر عليه ان يتعايش مع المجتمع البريطاني وفق ضوابط قوانينه وثقافته. اما في السعودية لن يكون الحال افضل حيث سيلقى المجاهدون العائدون من سوريا مصيرا اسوأ والتاريخ شاهد على ذلك اذ ان حقبة ما بعد الجهاد في افغانستان كانت حقبة مليئة بالمفاجآت والقمع الذي استفشى بعد بدء التفجيرات في السعودية ولا يزال بعض الذين نظروا للجهاد يقبعون في سجون المملكة حتى هذه اللحظة.

من هنا يبدو تاريخ الحملات الجهادية وان كانت متفقة مع سياسة البلدين اي السعودية وبريطانيا الا ان السياسة بطبيعتها متغيرة ومتحركة لها اهدافها الآنية والتي هي بدورها قد تنقلب وتتغير بعد انقضاء المهمات من هنا سيواجه الذي يهب الى الجهاد في لحظة ما المصير نفسه الذي واجهه جيل كامل بعد عودته من البؤر المشتعلة في المنطقة العربية والاسلامية. ويتحول دعاة الجهاد من مناضلين مناصرين لقضايا الامة الى ارهابيين يلاحقون ويسجنون او يرحلون من مواطنهم وان كانوا اليوم يتمتعون بتلك الهالة التي ترتبط بسير المناضلين والثوريين الا انه بعد انقضاء المهمة سيواجهون نفس المصير الذي واجه الجيل السابق.

اما على صعيد الانظمة السياسية فنفور مجموعات شبابية للقتال في بلد آخر يكون دوما محفوفا بالمخاطر خاصة بعد عودة هؤلاء الى موطنهم الاصلي بعد تمرسهم باستعمال السلاح والقتال في الميادين وفشلت جميع الانظمة التي زجت بالمجاهدين في بؤر كافغانستان والبوسنة في ايجاد مخرج يحتوي هذه الشرائح بعد اداء مهمتها فمنهم من سجن ومنهم من هاجر وتبعثر وجودهم في مناطق مختلفة من العالم. وبما ان الحروب والصراعات الدولية اليوم تأخذ منحى جديدا باستعمال ادوات غير نظامية وشرائح شعبية مستعدة لاداء المهمة ستجد الانظمة نفسها وجها لوجه مع مجموعات مدربة عسكريا ومرتبطة دينيا وفكريا بمشروع القتال المسلح كوسيلة لتحقيق اهداف سياسية ربما لا نتفق مع سياستها في حقبة تاريخية قادمة. ولو سلمنا جدلا ان المشروع الجهادي في سوريا نجح في اسقاط نظام الاسد وتشكلت حكومة انتقالية منتقاة حسب سياسات الدول الممولة او المسلحة للثورة وكلها لا تزال تردد انها تطمح لحكومة لا وجود للجهاديين في صفوفها فما سيكون مصير هؤلاء المشاركين في الثورة من منطلقات جهادية قتالية؟ ورغم ان السعودية وضعت ثقلها خلف التغيير في سوريا واسقاط النظام الا انها ستكون الخاسر الاكبر من تبلور نظام اسلامي آخر في المنطقة حيث يرتعد النظام من تداعيات ذلك على الشرائح الاسلامية الفعالة على الساحة السعودية وستبدو السعودية بنظامها الملكي المطلق الوراثي حالة نشاز في منطقة اوصلت صناديق الاقتراع فيها الاسلاميين بكافة اطيافهم من الاخوان المسلمين الى السلفيين وغيرهم.

واعتاش النظام السعودي في السابق على مقولات حكمه باسم الشريعة والقرآن في محيط عربي لم يتردد علماء السعودية في وصفه على انه محيط علماني كافر يحكمه جنرالات خرجوا عن الاسلام، فان استتب حكم مغاير لهذه المعادلة السعودية في سوريا يجمع بين الديمقراطية والاسلام ستجد نفسها وحيدة في محيط عربي متغير وان تزامن هذا التغيير مع اما تصفية الجهاديين في سوريا او عودتهم الى السعودية سنجد السعودية نفسها محاصرة داخليا وخارجيا ولن تجد الا القمع كوسيلة للقضاء على الخطر المحدق وستتكرر التجربة الافغانية مع فارق واحد بسيط تفرضه الجغرافيا فسوريا قريبة جدا من السعودية ولشعبها علاقات قديمة اجتماعية مع المنطقة الشمالية تختلف عن علاقة السعودية بافغانستان البعيدة مما يجعل تداعيات الانخراط في المشروع الجهادي اكثر خطرا لقربه ولمعطيات التغيير الجديدة الحاصلة على الساحة العربية. وقد تدفع السعودية كنظام ثمنا باهظا مهما كانت نتيجة الصراع الحالي في سوريا. فديمومة الصراع السوري تحرج النظام السعودي وتفضح ادعاءاته المعتمدة على مناصرة السنة في سوريا ضد نظام جائر لانها تبرهن محدودية السعودية في دفع العجلة نحو اسقاط النظام. اما ان انتصرت الثورة فستجد السعودية نفسها غير قادرة على تنصيب القيادة التي تدين لها بالولاء بعد سقوط نظام الاسد خاصة وان الساحة السورية اليوم تعج بأطياف سياسية متنوعة ومتعددة قد تحسم خلافها وتعدديتها عكس ما تطمح له السعودية. وكثرة اللاعبين على الساحة السورية تقلص من قدرة الاخيرة على التحكم بالوضع السياسي بعد الثورة.

اما في بريطانيا نجد نفس المعضلة خاصة وان انخرط الشباب المسلم فيها بالمشروع الجهادي السوري فمن المؤكد ان عودة هؤلاء ستتزامن مع حملة تحذر من خطر هؤلاء وسيجد الكثير منهم نفسه متهما بعد اداء المهمة وهي ايضا غير قادرة على حسم الموقف السياسي في سوريا لصالح حكومة جديدة تكون حسب الطلب. ولن تبقى ابواب السفارات البريطانية مفتوحة لدعاة ارتبطت اسماؤهم بدعوات الجهاد وليس من غير المعقول ان يتحول العريفي الزائر اليوم لبريطانيا الى ارهابي حسب التصنيفات البريطانية او داعية كراهية تماما كما حصل لجيل سابق من الشيوخ والدعاة الذين رحلتهم بريطانيا او سجنتهم دون محاكمة بعد انتهاء حقبة الجهاد الافغانية. ومهما كانت نتيجة الصراع الدموي الحالي في سوريا الا انها بالفعل اصبحت القضية التي ستغير خارطة المنطقة العربية السياسية ولن تنجو انظمة اخرى من تبعياتها مهما حاولت احتواءها خاصة وانها تجاوزت قضية اسقاط نظام الى قضية لها ابعاد طائفية وسياسية تشمل مجتمعات متنوعة وتيارات سياسية غير متجانسة وغير قادرة على التعايش السلمي.

والزج بالجهاد في الساحة السورية ان اتى من السعودية او بريطانيا او غيرها من دول عربية مجاورة ناهيك عن اطياف اخرى تحارب مع النظام السوري وفي صفه سيجعل المنطقة العربية مشتعلة لسنوات قادمة. وكل ما تطمح له الدول الداعمة للثورة السورية هو ان ينخرط التيار الجهادي العريض في صراع دموي مع حزب الله فيصفي احدهما الآخر او يستمر الصراع لينهك الجميع وتقف هذه الدول تتفرج على حمامات الدم حيث انها لم تستطع في السابق ان تتخلص من احدهما او كلاهما وسيكون هذا السيناريو الاهم من منظور هذه الدول بينما يدفع الشعب السوري الثمن الباهظ لتعنت نظامه وانفتاح ساحته على التدخل الخارجي الذي زاد الانقسامات والتخندق.

 24/6/2013 – القدس

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة