36 views

المحنة السورية والإرادة الدولية! ـ أكرم البني

يتفق الكثيرون على أن المجتمع الدولي يستطيع إن أراد وبما يملكه من قوة ونفوذ فرض حل يوقف دوامة العنف في سورية، ويتفقون أيضاً على صعوبة حصول موقف عالمي موحد ينعكس بخطة جدية لإخماد هذه البؤرة من التوتر، والقصد أن الوقت لن يتأخر حتى يصل مؤتمر جنيف 2 إلى طريق مسدودة، كاشفاً حقيقة لا تحتمل التأويل في الخصوصية السورية، بأن باب الحلول السياسية مغلق بسبب غياب إرادة أممية حازمة تجبر أطراف الصراع على ترك ميدان الحرب والالتفات نحو المعالجات السلمية، وخاصة النظام، الذي لا يزال يعتقد بإمكانية تحقيق الانتصار، ويخوض معركته كمعركة وجود وإفناء للآخر.

وإذا تجنبنا التحليل التآمري عن تواطؤ خفي أو تقاسم للأدوار بين الأطراف الدولية الفاعلة لتطويع الثورة السورية، فثمة ما يصح اعتباره توافقاً موضوعياً بينها جوهره عدم تعجل حسم الصراع وإدارته بالنقاط لا بالضربة القاضية، من دون اعتبار لما يخلفه من ضحايا ودمار وآلام، وعليه لن تسمح روسيا وإيران بهزيمة النظام، لكن الغرب لن يسمح في المقابل بانتصاره.

خلافات المعارضة السورية وتفككها والتخوف من اليوم التالي لسقوط النظام، وخصوصية الصراع السوري ومخاطر ارتباطه العضوي مع محور نفوذ في المنطقة، ثم الخشية ليس من التنظيمات الجهادية المتطرفة فحسب، بل من كل حركات الإسلام السياسي التي بدأت تظهر سمات ديكتاتورية مقلقة بعد وصولها إلى السلطة، وإذا أضفنا حاجة الغرب لاستثمار الساحة السورية في استنزاف خصومه وإضعافهم، كروسيا وإيران، ولتصفية الحساب مع تنظيم القاعدة وأشقائه من الجماعات التي بدأت تتسلل إلى بلاد الشام لنصرة أهلها، وأضفنا أيضاً حسابات الأمن الاسرائيلي التي تحتل مركز الاهتمام الغربي، والرغبة المضمرة عند البعض بأن تكون الثورة السورية المحطة الأخيرة لقطار الربيع العربي ودرساً بليغاً يلقن للشعوب عن الثمن الفادح الذي يتوجب دفعه لقاء مطالبتها بالتغيير والحرية والكرامة، يمكن أن نقف عند أهم العوامل التي تعيق التوصل إلى وحدة الموقف الأممي من الصراع السوري، وتفسر استمرار سلبية الدول الغربية وتسليمهم بدور مفتاحي لموسكو كشفت عنه سياستهم لأكثر من عامين من عمر الثورة وكرسته قمة الثمانية الكبار في بيانها الختامي، وأكدته التصريحات المتكررة عن عدم وجود نية التدخل العسكري، ونكثها الوعود ولمرات حول دعم المعارضة وحماية المدنيين، وزيف التهديدات الغربية بعقاب رادع في حال تكرار المجازر أو تزايد أعداد اللاجئين أو استخدام السلاح الكيماوي.

واستدراكاً، طالما يطمئن النظام السوري لدعم حلفائه ولعطالة المجتمع الدولي ويتوهم بأن خياره الأمني والعسكري لا يزال مجدياً، فلا قيمة عنده لأية مؤتمرات دولية أو مبادرات سياسية، وهاهو يوظف نتائج معركة القصير في حمص والانخراط المباشر لقوات حزب الله وبعض الميليشيا العراقية من أجل بعث الروح في هذا الخيار بعد أن جرب على أشده ولزمن طويل ولم ينجح في سحق الاحتجاجات أو الحد من قدرة الثورة على التجدد، وهاهو أيضاً يستثمر إلى الحد الأقصى بعض الممارسات العدوانية والطائفية التي تتباهى بها جماعات متطرفة من المعارضة المسلحة كي يزيد من مخاوف الغرب عن تحول البلاد إلى مجتمع طالبان جديد وإلى منصة انطلاق للتنظيمات الجهادية.

لكن مع ما تشهده هجمات ما بعد القصير من صد وانكسار ووضوح عزيمة لا تلين لدى الحراك الثوري وإصرار على الاستمرار مهما تكن التضحيات، ومع تكاثر حالات التهرب من المسؤولية وتخلخل مرتكزات السلطة، ومع وضع اقتصادي مرشح لمزيد من التدهور في ظل انهيار أهم القطاعات الانتاجية الصناعية والزراعية وتدهور قيمة الليرة السورية التي خسرت حتى الآن أكثر من 70 % من قيمتها، وأيضاً مع تزايد الحرج الأخلاقي من التوغل السلطوي المفزع في العنف وما يخلفه من مشاهد للضحايا والدمار وأعداد ما فتئت تتزايد من المشردين والمنكوبين، ومع انكشاف مزاج شعبي ايراني يميل نحو الاعتدال بعد انتخاب روحاني رئيساً، والأهم مع تنامي مخاطر امتداد الصراع الى بلدان الجوار بسبب تداخل المكونات الاثنية والطائفية، وتهديده استقرار المنطقة والأمن الاسرائيلي، يمكن توقع تبدل في الموقف الدولي قد يتمخض أخيراً عن إرادة أممية حازمة لوقف العنف وفرض الحل السياسي فرضاً على الجميع.

والحال لم يشهد التاريخ بؤرة صراع دموي عرفت هذا الاستهتار الدولي المخزي بالأرواح التي تزهق كما الحالة السورية، والأنكى حين يجري ذلك في ظل ثورة الاتصالات ومشاهد مروعة تصل إلى كل بيت وتكشف للجميع محنة إنسانية يعجز اللسان عن عرضها ووصفها، فإلى متى تبقى سورية أسيرة هذا المصير المرعب، وإلى متى يبدو العالم، عرباً وعجماً، غير مكترث، وكأنه بحكوماته وشعوبه يتعيش على أنات الضحايا والمعذبين؟!

 25/6/2013- الشرق الاوسط

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة