74 views

سهل الروج في إدلب: بين إهمال المعارضة وإجرام النظام ـ مصعب الحمادي

في أقصى الجنوب الغربي لمحافظة إدلب تنفرج أمامك الأرض لتطلّ على واحدةٍ من أجمل بقاع الدنيا حيث يتربع سهل الروج الخصيب متوسطاً بين جبل الزاوية المرتفع ووادي العاصي في سهل الغاب.

وصلنا سهل الروج من خاصرته الجنوبية, حيث تسلقنا مسالك جبليةٍ وعرة فوق قرية قسطون بسهل الغاب, وكنا تحت مرمى نيران قناصة النظام. لكن هذه التجربة الخطيرة التي قمنا بها هي ممارسة يومية بالنسبة لأهالي قرى اللجّ وشاغوريت والبدرية وإنّب وجدرايا وبيدر شمسو وقرصايا والعليّا والصحن بامتدادٍ يصل إلى أستراد حلب-اللاذقية عند ناحية محنبل. هذه المنطقة الجغرافية مطوّقة بشكلٍ كاملٍ من قبل الجيش النظامي وذلك عن طريق حواجز المعصرة وتل حمكة وجنة القرى وعين الحمرا وفريكة وحاجز التنيمة. هذه الحواجز تقوم بقصف قرى السهل بشكل يومي وهي تركز على فصله تماماً عن العالم لتقطيع أوصال المنطقة المحررة التي تقع تحت سيطرة المعارضة. فالنظام نجح طوال الفترة الماضية بفصل هذا القسم الجنوبي من السهل عن قسمه الشمالي المحرر والذي يمتد من أستراد حلب-اللاذقية حتى دركوش وحارم وسرمدا وصولاً إلى باب الهوى. فمن خلال ضرب الحصار على سهل الروج ينجح النظام إلى الآن بحماية الجيب العلوي في منطقة الغاب وجبال اللاذقية من جهة, وحرمان الجيش الحر من فتح طرق الإمدادات نحو المنطقة الوسطى في حماه وحمص ووصل المناطق المحررة مع بعضها من جهةٍ ثانية.

يدرك النظام جيداً هذه الأهمية الإستراتيجية للسهل لكن الجيش الحر للأسف لم يدرك ذلك بعد, حيث يقتصر وجوده في سهل الروج على كتيبةٍ هزيلة التقينا بقائدها الذي رفض التقاط صورة له, ولم يعطنا حتى اسمه خشية الملاحقة!!! كما أنه لم يسمح لنا بالتصوير في منطقته. ومن خلال موقف هذا القائد استطعت فهم الأسباب التي جعلت أكثر من أربعين ألف إنسان محاصرين في سهل الروج تحت رحمة قذائف النظام وقناصته.

فقبل وصولنا بساعاتٍ استهدفت قذائف النظام باص نقلٍ داخلي صغير كان ينقل طلاب جامعة من سكان قرية البدرية إلى جبل الزاوية فحلب. ولأن السهل مطلوبٌ منه أن ينكمش ويتقوقع على نفسه فقد تم استهداف الباص عند قرية إنّب فقتل السائق واستشهد الطلاب الثلاثة وهم من قرية البدرية.

أخبرني (فادي), وهو طالب حقوق من نفس القرية أن هذا الطريق مستهدف على الدوام وأن هذا السبب هو ما دفعه شخصياً لترك دراسته في جامعة حلب. واليوم وعندما رأى فادي كيف استشهد رفاقه على الطريق, ازداد ثقة أنه اتخذ القرار الصحيح, فبالنسبة له الدراسة وكل شيء يمكن تعويضه بعد سقوط النظام.

وفي قرية جدرايا التقيت أبو علاء, وهو تاجر سابق أقعده الحصار عن تجارته, فهو يقتات من مخزون السنين وينتظر الفرج. يحمل أبو علاء عتباً كبيراً على المعارضة حيث قال:

“مع أن السهل محرر من الناحية النظرية, إلا أننا نعيش تحت رحمة حواجز صغيرة للنظام تطوّقنا من كل الجوانب, وتقصف البيوت والمساكن على امتداد قرى السهل, ويسقط يومياً الشهداء والجرحى, بينما الجيش الحر لم يعيرنا أي اهتمام. النظام يقطع علينا الطرقات ويستخدم القناصة لمنعنا من وصول جبل الزاوية أو سهل الغاب للتزود بالحاجات الأساسية للحياة. تخيل أن المعارضة توصل الإغاثة لمناطق عميقة جداً في البلاد ونحن هنا ليس لدينا حبة طحين واحدة, ونحصل على الخبز ليومٍ واحدٍ في الأسبوع من فرن قرية بلين في جبل الزاوية, وتبلغ حصة الفرد الواحد رغيفين من الخبز أسبوعياً.”

طلب أبو علاء مني أن أوصل صوت أهالي سهل الروج إلى المعارضة والجيش الحر. فسهل الروج محاصر من كل الجهات والأهالي الذين خرجوا بالمظاهرات من الأيام الأولى للثورة هم الآن تحت رحمة النظام الذي يستفرد بهم ويقتلهم حصاراً وقصفاً. ويركز أبو علاء على ضرورة فتح الطريق الشمالي لسهل الروج فعند ذلك سوف يكون بالإمكان ربط ريف حماه بالحدود التركية وسيتمكن هو وأهالي سهل الروج الوصول إلى تركيا بساعةٍ واحدة.

أبو علاء أبٌ لخمسة أولاد, أكبرهم طالب طب ترك الجامعة وذهب للعمل في لبنان كي يساعد في إعالة والديه وإخوته.

كان يكلمني أبو علاء وعلى يساره مهباش لدق البنّ يقول الرجل أنه كان دائب العمل في الأيام الخوالي:

“كان بيتي يمتلئ بالضيوف يومياً, وكانت دلة القهوة لا تتوقف عن العمل, اليوم ليس فقط القهوة مقطوعة بل كل شيء. أنت أول ضيف في القرية منذ سنة, وأنا خجلٌ من نفسي لأنه ليست لدي قهوةٌ كي أضيفك.”

 25/6/2013 : كلنا شركاء

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة