40 views

الغرب يتقدم بلا شعوبه ـ عمر قدور

بينما كان الرئيس الأمريكي يجتمع مع نظيره الروسي كانت استطلاعات الرأي تشير إلى معارضة 54% من الأمريكيين تسليح المعارضة السورية، وبصرف النظر عن وجود النوايا الجادة لدى الإدارة للتقدم في الملف السوري فإن دلالات الرأي العام ليست بلا أهمية. في بريطانيا أيضاً يبدو أن الحكومة تُضطر بين الحين والآخر إلى لجم حماسها تجاه تسليح المعارضة تحت ضغط المعارضين وبعض نواب الحزب الحاكم، أما في فرنسا فلا يظهر حتى الآن تعاطف شعبي ملموس يقترب من الموقف الحكومي الذي لم يتراجع منذ رئاسة ساركوزي.

على ذلك بوسعنا القول إن الحكومات الغربية تتقدم تجاه سوريا بلا دعم واضح من شعوبها في هذا الملف، وهي حالة لن تكون الأولى من نوعها لكن أبعادها قد تتسع فيما لو قرر الغرب التدخل مباشرة وتولت الجيوش القيادة بدلاً من أجهزة المخابرات التي تدير الصفقات والحسابات حتى الآن. ثم إن الغطاء السياسي لقرار التسليح حدد السقف المبدئي لإنجازاته وتورطه بالوصول إلى جنيف2، أي أنه يتحاشى إحداث صدمة سياسية في الدول الغربية المعنية مفادها عزم الحكومات على المضي في إسقاط النظام، مهما تطلب هذا من إجراءات لاحقة.

يطول الحديث لو أردنا تعقب العوامل التي لم تجعل الثورة السورية تكتسب سمعة جيدة وتعاطفاً شعبياً في الغرب، ومنها ما تتحمل الثورة مسؤوليته فضلاً عما يتحمل الغرب مسؤوليته أيضاً، إلا أن النتيجة بمعزل عن الأسباب تتطلب دعم التوجه الغربي الجديد لئلا يكون عرضة للتراجع أو التوقف عند هذا الحد، بخاصة إذا ما قام حلفاء النظام بمدّه بأسلحة أكثر تطوراً تقلل من جدوى العتاد الذي تنتظره المعارضة. فالغرب الرسمي، المتردد في قسم منه، لا يُنتظر منه وفق المعطيات الحالية الانخراط في صراع واسع الأبعاد بخلاف الرأي العام السائد في دوله، وعلينا هنا ألا ننسى غياب الحوافز المغرية التي بوسعه التلويح بها لاسترضاء شعوبه؛ آخذين بالحسبان تراجع حماسها للحرب على الإرهاب وتراجع المزاج المعادي للروس والصين.

بعد فشل كل تجاوزات النظام ومجازره في استنفار رأي عام عالمي مناهض له؛ ثمة عمل شاق ومستمر مطلوب من المعارضة السورية وحلفائها الغربيين إذا توفرت النوايا الصادقة لاستمرار التحالف وتدعيمه. المطلوب من المعارضة التضحية ببعض التحالفات الميدانية التي أصبحت عبئاً ثقيلاً على الثورة، والتي لا يتوانى النظام وحلفائه في الغرب أيضاً عن استغلالها أسرع وأحسن استغلال. إذ لا يكفي التفرج على انتهاكات جماعات محسوبة على الثورة، ومن ثم مشاهدة أخبارها في الإعلام الغربي تطغى على الانتهاكات الممنهجة التي يقوم بها النظام. إن عزل تلك الجماعات إعلامياً وميدانياً يرقى إلى مرتبة الواجب، ويزداد إلحاحاً مع تاريخ من الصمت والمواربة حيال الارتكابات التي قامت بها، يُضاف إلى ذلك تأذي سمعة الثورة خارجياً عامل شديد الأهمية هو تأذي سمعتها داخلياً للسبب ذاته. لذا ينبغي أن يكون أي تقدم على النظام مقروناً بتهميش دور الجماعات المتشددة، وعدم إفساح المجال لها لتستثمر في المناطق المحررة ما بذله الآخرون من جهد. المفارقة هنا أن ما كسبته كتائب الجيش الحر من مناطق نفوذ بدده الأداء الإعلامي للمعارضة مقروناً بالسيطرة على الإدارة المدنية من قبل مجموعات لا تنتمي إلى الحر، وحتى لم تبذل جهداً ملموساً في السيطرة على تلك المناطق.

من جهة الحكومات الغربية الداعمة؛ لا شكّ في أن تردد هذه الحكومات قد ساهم في تشويه صورة الثورة، فالحكومات نفسها لا تزال تبدي الحذر إزاء توصيف ما يحدث في سوريا بأنه ثورة شعبية، والأهم من ذلك أن القوى الداعمة للحكومات، وفي الطليعة منها وسائل الإعلام الكبرى، نأت بنفسها طويلاً عن الحدث السوري ولم تساهم في إيصال الصورة الحقيقية إلى المواطن الغربي. نستذكر على هذا الصعيد الأداء الإعلامي الأمريكي وإعراضه عما كان يحدث في يوغسلافيا السابقة، ومن ثم تركيز الإعلام نفسه على المجازر ووضعها في صدارة الأخبار بعد قرار الإدارة الأمريكية التدخل آنذاك، ففي أيام معدود تحول الرأي العام من عدم الاكتراث إلى التعاطف ومساندة التدخل العسكري المباشر.

أن يتقدم الغرب تجاه سوريا، بلا تعاطف ومساندة من شعوبه، فهذا ليس بالمؤشر المطمئن للمرحبين به. المحك الأكثر دلالة أن تبدأ الحكومات الغربية بتهيئة رأيها العام، فقط حينها تكون قد ألزمت نفسها حقاً بمواقف لا يجري التراجع عنها لاحقاً، وفقط حينها تستطيع مفاوضة الروس بقوة متذرعة بالمزاج الشعبي الضاغط عليها.

 الثلاثاء 25/06/2013, المدن

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة