70 views

دوماني ياعنب ـ د. يحيى العريضي

في دوما السورية لم يبق حتى أشباح .من بين من بقي رجل في الثمانين ، وقفص فيه عصفورين ، وكثير من الكلاب التي غيرت نظام غذائها ؛ فوجباتها المتوفرة جدا هذه الأيام هي لحوم بشر خلفتها براميل الطائرات وصواريخها ومدافع الدبابات ورصاص القناصة الخبراء بقتل أهلهم .

من استطاع أن يخرج حياً من دوما الشام خرج . أبو محمد الثمانيني اختار أن يبقى في داره لا بارادته بل بارادة جثتي ابنه وحفيدته وصورة زوجته المتوفاة من عشر سنين . كانت زخة من القنابل الممانعة والمقاومة قد هشمت الصورة والجثتين . زوجة محمد وماتبقى من الأولاد هاموا على وجوههم مع سيل من أهل دوما تقطعت بهم السبل كما الالاف من أهل سوريا .

جلس أبو محمد أمام الجثتين ولسانه مربوط بظهره المكسور.صوت الرصاص والقنابل والصواريخ طغى على كل شىء : على العطش وعلى الجوع وعلى رائحة الموت وارتعاشات الأشلاء وزقزقة عصفوري الجيران . صوت الكلاب وحده كان مسموعاً ولم يتغيّر .

توقف القصف ليومين إكراما لسواد “عنان” وبياض “مود” . انتظرت الكلاب حتى خرجت الدواب الجديدة ثم بدأت مهمتها الجديدة…. فبدأ صوتها يتغيّر.اختلس أبو محمد نظرة عبر نافذة حديد تهشم زجاجها فرأى كتيبة من الكلاب تنهش بعض الأجساد الادمية . بدأ صوت الكلاب يتغيّر….إنه لحم البشر…

رائحة أخرى بدأت تتغيّر أيضاً…. إنها رائحة دم وعرق محمد وابنته . يكاد أبو محمد أن يختنق … ذبحته الرائحة . غطى الجثث . لم تغادر الرائحة . فكّر بسحب الجثث إلى الخارج… أرعبته الفكرة …. الكلاب…. لقد رأى بأم عينه ما تقوم به الكلاب . لقد تحمّل تفتت أسرته وظل يتنفس مع وجود جثتين لأهله عند أنفه ؛ ولكن أن يرى أنياب الكلاب تنغرس بجثة من يحب فهذا ما لا قدرة له عليه . كادت الرائحة أن تأتي على ما تبقى من روحه . وضع يده على أنفه هرباً من الرائحة ؛ فكّر رغماً عنه… خجل من نفسه خجلاً عظيما…. قال بلا صوت : كيف سمحت لنفسي أن أضع يدي على أنفي متأففاً من رائحة ولدي وحفيدتي ؟! أنا لا أخجل..! هذا عيب… ! كانت أم محمد قبل أن تموت بأسابيع قد أهدته زجاجة عطر. تعطّر منها مرة واحدة . مرضت أم محمد. قرر بعدها ألا يفتحها . كان يكتفي بشمها من الخارج. تذكر العطر و قرر أن يسكبه فوق الجثتين علَّ الرائحة تتغيّر . فعل ؛ ولكن عبثاً.

سحب جثة الطفلة إلى الحمام وأغلق الباب . عاد إلى جثة ولده ؛ حاول سحبها ؛ تعثر عندما انزلقت قدماه بدم ابنه الذي تخثر ؛ فتح صنبور الماء ، فسمع صفيراً . ذهب إلى الحمام علَّه يجد بضع قطرات هناك ؛ انحنى ؛ لم يسمع الصفير ذاته بل زكمت أنفه رائحة رمته على ظهره المعطوب سلفاً. مسح يديه بثوبه الأبيض، فرك عينيه، مشى تعثر بسطل فيه بقايا ماء اختلط الماء بالدم. أصبح المكان لزجا. أتته قوة رهيبة مكنته من سحب الجثة نحو الحمام؛ حملها وضعها في الحمام؛ تراكمت فوق جثة الحفيدة. لم يرق له ذلك سحب جثة الطفلة؛ وضعها في الممر. عاد ليغلق باب الحمام رأس الجثة بقي خارج الحمام. فكر بطي الرجلين المهشمتين. ولكن حتى يصل إلى الرجلين لا بد من أن يمر فوق الجثة. شعر – بما تبقى له من مشاعر – بحرج شديد لا يستطيع أن يدوس فوق جثة. رأى ان الطريقة الامثل هي أن يمدد جسد فوق الجثة ثم يقوم بطي رجليها، فعل. سلّ جسده خارج الحمام. انحنى ليزيح ما تبقى من ذراع ابنه عن وجهه ليجد انهما تحولا إلى قطعة واحدة. حاول فك الاشتباك بينهما ليرى ما تبقى من ملامح الوجه. لم يفلح. فقط ظهر الجزء المهشم. لم يعد يشم شيئا أصبحت حاسة الشم لديه من الماضي. عاد ليضع جثة الطفلة فوق جثة أبيها. فكر قليلا، وقال بلا صوت: لم يبق هناك رائحة, فلماذا أضعها في الحمام؟! لاسترح قليلا ثم أعود اليهما. كوّم نفسه عند جدار الحمام. نام لساعات طويلة. فتح عينيه. عاد الى الحمام ليجد أن إخراج الجثة من الحمام غدا مستحيلا؛ لقد انتفخت لتصبح ضعفي حجمها الأساس.

مع انحباس الجثة في الحمام تذكر قفص جاره والعصفورين في داخله وتذكر أنه مضى وقت طويل منذ أن أطعمهما آخر مرة. أحواض النباتات في أرض الديار تهشمت واختلط الأخضر بالأحمر بالرصاص بالرمل بالحديد. بعض فتات خضار تكومت لأشلاء عند جدار الحوض المهشم. لملم بعضها واتجه نحو باب دار جاره. يجد بقايا حياة في الطيرين الأسيرين. وجدهما يتحركان مثله. ذهب صوتهما كما ذهب صوته. أول ما فكر به كان فتح باب القفص واخراجهما الى الحرية. استدرك وقال صامتا:حالهما كحال أي سوري، حتى لو أخرجته من القفص لن يطير الى الحرية هما في سجن القفص منذ أتيا الى الدنيا والسوريون وضعوا في قفص منذ أن وعوا الدنيا. تسعون بالمئة منهم هكذا. قدم لهما الطعام. حاول أن يبتسم لسماعه شبه زقزقة منهما … لم يتمكن؛ عضلات وجهه لم تعد تعرف حركات كهذه. ترك القفص مفتوحا، أدار ضهره، وعاد الى داره. بين الدارين كانت الكلاب مشغولة جدا بنظام غذائها الجديد التفتت اليه بازدراء وبسرعة ودون اكتراث. تريده فقط وجبة خامدة قد تأتي لاحقا. وصل باب داره فوجده موصدا. مد يده الى جيب جلبابه ليخرج المفتاح؛ وكانت جيوبه خالية. شد الباب بيديه ليفتحه عنوة ولكن عبثا. عاد الى باب جاره علّه يصعد الدرج المؤدي الى سطح جاره ثم يرمي بجسده الى داره فتذكر انه ترك مفتاح دار جاره بالقرب من قفص العصافير وترس الباب خلفه تكوّم عند باب داره؛ تمنى أن تعود له حاسة الشم، كي يسترق شيئا من ذكرى ولده وحفيدته. فجأة دوّى صوت انفجار رهيب في بناء مجاور كانت أحد مفاعيله أنه لم يدمر ذلك البناء المجاور فقط بل اقتلع باب داره ورماهما معا قرب حمام بيته. عاد استعصاء الجثة في الحمام الهم الذي يعتصر قلبه الماً. كانت أمنيته الكبرى في تلك اللحظة أن يحدث انفجار آخر ويزيل جدران الحمام وبابه كي تتحرر جثة ولده الذي لا بد و ان رائحة الحمام تضايقه كما تخيّل. ترامت الى اسماعه أصوات غريبة تشبه أصوات الكلاب رأى وهو مستلق على ظهره مخاليق تتحرك باقدامها الاربعة. تيقن انها الكلاب المسعورة إياها. لم تعره تلك المخاليق اهتماما اتجهت مباشرة نحو جسد الطفلة الراقد على بحيرة صغيرة من الدماء التي تيبست بفعل الذباب الذي أغار على الكلاب وكأنه يحفزهم على فتح فرص ومجالات جديدة في جسد الطفلة. لم يتوانى الكلاب عن القيام بالمهمة المقدسة بعد أن اكتسبوا خبرة لا بأس بها وفرها لهم جزارون فاقوا النازيين بمهاراتهم.

أغمض الجد عينيه ليفتحها صوت هرس عظمة عكّرت على أحد الكلاب استمتاعه بطري اللحم. قادت الجد أقدامه الى فسحة الدار ليجد تعزيزات جديدة من الكلاب تتجه نحو جثتيه عاد الى الداخل وفتح باب الحمام كي لا يفوت الكلاب الجثة الأكبر داخل الحمام. في باحة الدار رأى العصفورين ينتظرانه. ذرفا دمعتين وطارا … نعم طارا. طارت روحه في اللحظة ذاتها، خرج مع روحه أنين يقول:

” بشار يريد أن يزرع دوما بطاطا “؛ “فقط ينتظر حتى ينتهي رجاله من الحمّام.”

عاد صوته صدى: ” أبو محمد, الجثة في الحمام ليست جثة محمد، انها جثة صاحب الكلاب، عاد العصفوران، لا الى القفص؛ عادا الى سماء الحرية. أهل دوما والحرية يزرعون العنب. وينادون :دوماني يا عنب.

26/6/2013 : كلنا شركاء

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة