40 views

المجتمع المدني المقبل ـ حسان عباس

يُحدِث الصراع الدائر في سوريا تغييراتٍ كبيرةً في المجتمع المدني فيها. وهي، أياً كان الشكل الذي ستنتهي إليه الأمور، تؤسس لأشكال جديدة من العمل المدني، ولآليات تنسجم مع الحاجات التي سيفرزها شكل الدولة المقبلة، وطبيعة العلاقات التي ستحدد حال المواطنة، وهي حال لم يسبق لسوريا أن عرفتها في تاريخها المعاصر أو الحديث.

في عودة سريعة لتاريخ المجتمع المدني السوري منذ بدايات النظام الحالي، أي من مطالع السبعينيات، نستطيع القول إنه قد مرّ بثلاث حِقبات أساسية: الحقبة الأولى (1970 – 2000)، الحقبة الثانية (2000- 2011)، أما الحقبة الثالثة فهي التي بدأت مع انطلاقة انتفاضة الكرامة ولا تزال مستمرة باستمرار الوضع القائم.

عندما استولى حزب البعث على السلطة في انقلاب 1963 لم يكن المجتمع السوري خاوياً، بل كان لا يزال موّاراً بالحياة المدنية المتمثلة بالجمعيات والنقابات والصحافة الحرة والأحزاب السياسية (إذا اتفقنا على اعتبارها جزءاً من الحيز المدني ما دامت لم تصل إلى السلطة بعد). في تلك اللحظة بدأت إرهاصات الاستبداد مع إجراءات التفرّد بالسلطة المتمثلة، بشكل خاص، بالمراسيم الصادرة عن مجلس قيادة الثورة صبيحة يوم الثامن من آذار.

في العام 1970، وبعيد إحكام قبضته على مقاليد الحكم، شرع الأسد الأب بوضع أسس نظام الاستبداد الذي وجد التعبير النموذجي له في المادة الثامنة، السيئة الصيت، من الدستور. في هذه الحِقبة أصبحت المؤسسات المدنية من منظمات واتحادات ونقابات… بل وحتى الأندية الرياضية، جزءاً حيوياً من “المجتمع المضاد”، وتحوّلت من أجهزة وسيطة تحمي المجتمع من عسف السلطة إلى أجهزة وسيطة تنقل ذاك العسف إلى المجتمع.

مع تولّي الأسد الابن للسلطة، استبشر الناس خيراً بالوعود الإصلاحية التي أشاعتها أجهزة النظام الدعائية والاستخباراتية في البلاد. غير أن عشر سنوات في السلطة لم تشهد على مستوى المجتمع المدني الإصلاح المنشود وإنما شهدت احتيالاً معلناً كانت عناوينه الرئيسة تشكيل “منظمات حكومية غير حكومية” أو ما يعرف عالمياً باسم (الغونغوز Go,Ngo’s)، وهي منظمات تعمل في الحيز العام لكنها شديدة الارتباط بالبلاط وبطانته، وتتميز منها “منظمات السيدات الأوْلَيات (الفلنغوز Fl,Ngos). تتمتع هذه المنظمات، على غرار “الأمانة السورية للتنمية Trust “، بحمايةٍ وحريّة حركةٍ وتمويلٍ وسلطات تدخلٍ لا حدود لها، مما يحولها إلى ما يشبه “ثقباً أسود” يجذب كل الطاقات المتحفزّة للعمل المدني، وخاصة الشباب، بفعل المغريات المادية والمعنوية التي توفّرها لها. على هامش هذه المنظمات المتعملقة باستمرار، سُمح لبعض الجمعيات الجديدة، كجمعيات حماية البيئة، بالوجود لتجميل المنظر العام، لكن الرقابة لم تبارح كل هذه التكوينات، إذ كان يكفي شيء من غضب المتنفذين للتراجع عن قرار التسامح، كما حدث مع جمعية المبادرة الاجتماعية مثلاً.

لقد كانت الثورة السورية في بدايتها انتفاضة حرية وكرامة، قام بها مجتمع مدني غير منظم. لكن سرعان ما تبينت أمام الناشطين الحاجة إلى التنظيم المجتمعي، فبدأت تتأطر مجموعات ضمن لجان تقوم بإدارة الحَراك، ثم أخذت هذه اللجان تتلاقى في تجمعات أكبر لتنظيم العمل على مستوى أعمّ من مستوى مجاميع الأصدقاء، أو الشلّة، واضعة علامة فارقة على خطى بناء مجتمع مدني جديد ينطلق من حرية الأفراد ويتطلع إلى حرية المجتمع. ثم أدى تطور الأزمة وما سببه تصاعد العنف السلطوي من تشريد وتهجير وتدمير إلى نشوء جماعات جديدة تعمل على تقديم الإغاثة والمساعدة على استمرار الحياة، في مجالات عديدة (الصحة، التعليم، الدعم النفسي، الإيواء…) واستطاع الناشطون المدنيون، ومن الشباب خاصة، تملك خبرة واسعة في زمن قصير.

لا يبدو الوضع السوري القائم اليوم مبشراً باستقرار قريب، اللّهم إلا الاستقرار في العنف. لكن، لا بد من وقت تنتهي فيه الأمور إلى صورة ما. وأيا كانت هذه الصورة سيكون للمجتمع المدني اليد العليا في إظهارها وتكوين إحداثياتها. إن قضايا من قبيل المصالحة الوطنية والسلم الأهلي، والعدالة الانتقالية، ومراقبة الانتخابات، وحماية الإرث الثقافي… كلها ميادين ستطرح نفسها بقوة على المجتمع (إن لم يكن بعضها قد فعل)، ولا يفيدنا بأي حال انتظار الغد للتفكير بما يجب عمله. علينا التفكير، اليوم وليس غداً، ببناء المجتمع المدني المقبل.

 الاربعاء 26/06/2013, المدن

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة