48 views

أيها الباب ليس أمامك سوى أن تنفتح ـ عقل العويط

هذا المقال، هو تحيّة متواضعة، لكن عنيدة ومثابرة، من منبر الحرية هذا، إلى كلّ الذين يقاومون الوقائع الجنائزية في لبنان والعالم العربي، ويرفضون الرضوخ لمنطق الابتزاز والتيئيس والموت، ويواصلون مشقّات البحث عن الحرية وكرامة العقل والقلب، عبر إقامة الدولة الديموقراطية التي ترعى المواطن الفرد، في لبنان وسوريا وفلسطين ومصر والعراق وتونس، وفي دنيا العرب كلّها. تحيّة إلى هؤلاء الأحرار الذين ينتجون رحيق الأمل من عَرَق اليأس، غصباً عن أنف الاستبداد الديكتاتوري المتمكّن، وليل الظلاميات الدينية على السواء.

كانوا قد بدأوا السير الحثيث في المدلهمّ من العماء، حين كانوا لا يزالون في أرحام أمّهاتهم. لم يكن الضوء اللبناني والعربي الذي أُخرِجوا إليه، أفضل حالاً من العتمة تلك. فقد واجهتْهم أنواءٌ مشمسة في بحر العيش وبرّه، طوّشت فتوّة بصيرتهم، أين منها أنواء ذلك التيه الليلي الذي كان يمعن في تشريد العقل عن غاياته.

لقد أعياهم التوق إلى جبل لبنان، ساحلاً وجرداً، وإلى مفترقات العروبة الحضارية الخلاّقة في الجوار الحميم، فأُحبِطوا كثيراً، ويُئِّسوا كثيراً. بعضهم عاد على أعقابه، وقُتِل بعضهم الآخر في الطريق. أما مَن بقي يجدّ السير، فشاء أن يسلس للعقل اليتيم كي يجد متّكأ يأوي إليه، عندما لم يعد ثمة متّكآتٌ في القلب والعين، بعدما تَغَبّش المشهد من فرط الرطوبة الباكية.

لا يزال هذا المشوار الجنائزيّ المعتم والعنيف في أوجه. بل هو يزداد تيهاً وليلاً ومشقةً. بدل أن يشرق ضوءٌ من خلف الأمكنة الدامية، في بيروت، في صيدا، في طرابلس، في الجبل، في بعلبك، في صور، في دمشق، في بغداد، في القاهرة، في تونس، في القدس، وفي الجليل، ها يشرق عليهم دمٌ كثيفٌ يكاد يعطّل شبق الوجود، ويجعلهم ينغرسون في شرك التيه الذي لا بدّ أن يليه تيهٌ بعد تيه.

لا نريد أن نستسلم، يصرخ أحدهم في وجه الجنازات الملبّدة. يحمل آخرُ قلباً ليّناً، يريد أن يشقّ به جدار الوجع السميك الذي يمعن في رسم معالم الطريق. يسأل ثالثٌ: هل نكمل، أم ننحر أجساماً كليلةً تشبه كينونة شعوبنا وبلداننا التي يوجّعها الضرب في العدم؟

لا استبداد سيهرعون إليه. ولا نبوءات بالطبع. لكنْ، لا وردة للأحرار تخرج من التربة العربية الموجوعة، إلاّ تُزهَق في الطريق. لا ضوء وردة إلاّ يُكتَم قهراً في الطريق. مع ذلك، يريد الأحرار أن يظنّوا أنهم يسمعون صوتاً يطلع من وراء بابٍ، أو جدارٍ أعمى، كما تشقّ وردةٌ ضمير الليل برحيقها المظنون.

يريد هؤلاء الأحرار أن يظنّوا أنهم واصلون بعد قليل، أو بعد دهر، إلى حيث يمكن أن يجترحوا ظلاًّ يائساً، أو وهجاً شُبِّه له أن السراب بعض ماء.

يريدون أن يظنّوا أن كوّةً ستنفتح في رجاء العقل اللبناني – السوري، والعربي، رافضين أن تنقشع مراميها أمام البصر الواقعي عن جنازات مقبلة. يريدون أن يخرجوا رويداً رويداً من الدائرة المغلقة المهولة إلى نسيمٍ عليلٍ، كهذا الذي يضنيه زمن استبداد الديكتاتوريات والظلاميات الدينية، الجاثم على مفترقات الجهات كلّها.

يريدون أن يشهدوا أنهم أصبحوا حقاً بلا أهل، وأنهم يتامى، وأنهم مائتون لا محالة. هذا بسيط. لكنهم يريدون أن يظنّوا أن أولادهم لن ييأسوا ولن يموتوا. لأجل ذلك، يظلّون يجدّون السير غير عابئين بتيهٍ يسحبهم إلى شِباك براثنه، كما يسحبهم هذا الموت العميم إلى القبور التي لا تشبع من موت.

يعرف الأحرار أن الليل الذي يشي به هذا الباب، قد يكون حالكاً ومهلكاً، لكنهم يدركون بقوة الأمل أنه لن يكون نهائياً وحصيناً بحيث يستحيل الخروج منه إلى ضوء. يستطيع هذا الباب أن يُشعِر المقيمين وراءه، حيث الأحرار خصوصاً، باستحالة الوصول إلى فجر. وبأن عليهم أن يرتدّوا على أعقابهم، أو أن يظلّوا مقيمين ها هنا إلى ما لا نهاية. هل يكون على هؤلاء الأحرار هؤلاء، والحال هذه، أن يتكيّفوا مع الحلكة المطلقة لكي يواصلوا عيشهم، رائين بالغريزة إلى ضوءٍ ليس متوافراً في الوقائع ولا بالعين المجرّدة؟

لكن الباب حالةٌ فحسب، أيها الأحرار. والليل حالةٌ هو الآخر، وإن يكن جسمه ماثلاً في ضمير المكان، راسخاً وكثيفاً إلى درجة الشعور بأن الإقامة قبر، أو شبه قبر.

الضوء أيضاً هو حالة. والحرية، هي الأخرى، لا بدّ أن تكون حالة. لذا، لا بدّ أن يأتي الزمن الذي يصيران فيه واقعةً ملموسة.

أيّها الباب، هؤلاء الأحرار لن يرضخوا للنبوءات الجنائزية الآتية. لن يرضخوا للعتمة المهلكة. لن يرضخوا للعدم. سيظلّون يقرعون، إلى أن ينفتح مفتاحكَ، وتنثني مصاريعكَ أمامهم، بقوة الرحيق المتصاعد فيهم من أودية اليأس اللامعقول.

أيّها الباب المغلق دون لبنان، دون فلسطين، دون سوريا، دون العراق، دون مصر، دون تونس، ودون بلاد العروبة جميعها، هؤلاء الأحرار يريدون أن يروا فيكَ كوّةً لا تُرى، ومفتاحاً ليس متوافراً إلى الآن. ويريدون أن يروا شعوباً بكاملها تعود إليك من تيه الجماعات والفرق “الناجيات” وغطرساتها.

سيظلّون يظنّون أنكَ ستنفتح أمام هؤلاء الشعوب المخطوفة حياتها وحرياتها. بسلطان العقل والقلب، يجب أن تنفتح، أيّها الباب، لعلّ أسياد الجنازات يتّقون ويقشعون ويرعوون.

أيّها الباب، ليس أمامكَ سوى أن تنفتح. الأحرار المغدورون تستولي عليهم شعرية انتظار الضوء المنفرج، ولذّة الحرية، مهما يطل استحقاق حركة التاريخ.

هذه اللذة لن تخبو. هذه الحركة لن ترضخ. وهم ليسوا براضخين!

29/6/2013 – النهار

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة