58 views

المعارضة السورية: تحديات واستحقاقات ـ عمر كوش

كان المأمول من تشكيل الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية في الحادي عشر من تشرين الثاني 2012، هو أن يمثّل أوسع طيف ممكن من المعارضة السورية، وأن يشكل مظلة سياسية للثورة، وداعماً حقيقياً لها، ويتجاوز خلافات المعارضة في ما بينها، على المستوى الأيديولوجي والسياسي، وعدم جعلها معوقًا، أو مانعًا أمام توحيد وتنسيق الجهود من أجل إسقاط نظام بشار الأسد. والأهم هو أن يؤثر في موازين القوى، بما يعطي دفعة قوية لحراك الناس على الأرض، ويقدم رؤية استراتيجية للمرحلة الانتقالية في سوريا، بما يطمئن السوريين، بمختلف أطيافهم وحساسياتهم، والإجابة على مخاوفهم وهواجسهم من المستقبل في مرحلة ما بعد الأسد.

وبالنظر إلى أن تشكيل الائتلاف، جاء على خلفية إخفاق المجلس الوطني السوري في توسع تمثيله، وعدم الارتقاء بأدائه إلى مصاف قيادة الثورة وتوجيهها وتصحيح مساراتها، إلا أن الأمر انتهى إلى تشكيل صورة مشابهة له، بل واستنساخه تقريباً، والذهاب في القول إلى أن المجلس بات يسيطر على الائتلاف، من خلال القوى والكتل الموجودة فيه، والمتملثة بجماعة الإخوان المسلمين، وبكتلة العمل الوطني، والكتلة الوطنية، وكتلة أمينه العام، وإعلان دمشق، فيما بقيت الشخصيات المستقلة من دون تأثير. إضافة إلى أن الائتلاف عجز عن تشكيل مؤسسة فاعلة، وتميز بضعف أداء الشخصيات الليبرالية والديمقراطية فيه، وارتجالية مواقف العديد منهم، وفرادانية السلوك والتصرفات. ويعود ذلك إلى عدم تمكن الائتلاف من تقديم كيان سياسي مختلف عن المجلس، في تركيبته وفي عمله، حيث إن الدعوة التي نهضت عليها المبادرة لتشكيل الائتلاف، كانت على أساس شخصي، حيث دُعيت شخصية واحدة من كل مكون سياسي، وممثل عن كل محافظة سورية من الداخل، ومستقلون، الأمر الذي نتج عنه تغلغل وهيمنة جملة الشخصيات ذات الانتماء الحزبي القوي، أو تلك التي شكلت كتلاً فاعلة، وتمتلك تمويلاً من جهة خارجية، وبالتالي تمكن هؤلاء من السيطرة على الائتلاف بطرق شتى، وراحوا يفرضون ما يرونه عليه.

ولعل الطريقة، التي لجأت إليها الكتل المؤثرة في الائتلاف، لاختيار وانتخاب رئيس الحكومة الموقتة، غسان هيتو، في 18 آذار 2013، عبرت عن لحظة جامعة لطريقة عمل الائتلاف، وأثارت ردود فعل غاضبة واستنكار عدد من القوى والشخصيات السورية، داخل الائتلاف وخارجه، واعتبرتها دليلاً واضحاً على سياسة الفرض والانفراد في القرارات. وفي إثر ذلك، قدم بعض أعضاء الائتلاف استقالاتهم، فيما جمّد آخرون عضويتهم، ونشأت على هذه الخلفية مطالبات بتوسيع الائتلاف، بغية التخلص من تأثير الكتل المهيمنة عليه.

ومع ارتفاع الأصوات المطالبة بتوسيع الائتلاف، جرى رسم خارطة جديدة لقوى المعارضة السورية، لكن السؤال الذي يطرح نفسه، يطاول مرحلة ما بعد التوسعة وتحدياتها، إذ إن استحقاقات عديدة تنتظر الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السياسية، تتمثل في إجراء انتخابات رئاسية، تعكس التنوع الجديد وموازين القوى الجديدة، واستحقاقات الموقف من مؤتمر جنيف -2. وهو استحقاق يتوقف عليه تقديم دعم أكبر للائتلاف والثورة السورية، خاصة بعد أن أعلنت دول الاتحاد الأوروبي رفع الحظر على توريد الأسلحة للمعارضة السورية.

ولعل الأهم هو أن يتمكن الائتلاف من تحقيق تغيير في موازين القوى على الأرض، من خلال توفير الدعم العسكري للجيش الحر، وتوفير ممكنات الصمود للناس في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، وبناء علاقات قوية بين الائتلاف الجديد وقوى الداخل، كالمجالس المدنية والجيش الحر ومجاميع المقاومة المسلحة، واتباع أسلوب تمويل محدد لهذه القوى، وفق آلية شفافة، معروفة ومؤسسة، وتوصيل المال والمعدات اللازمة إليها.

علاوة على تأمين احتياجات الناس في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، من مواد معيشية واحتياجات ضرورية، وتوفير الأمن لهم وسبل عيشهم الكريم. كل هذه الإجراءات ستعطي الائتلاف سلطة على القوى الثورية داخل سوريا، فيتمكن من توجيهها بحسب استراتيجيته والتحكم فيها، والعمل معاً من أجل إسقاط النظام، وتحقيق طموحات وتطلعات الشعب السوري في بناء سوريا جديدة، حرة وديمقراطية وتعددية مدنية.

والناظر في خارطة القوى والشخصيات المشاركة في الائتلاف بعد توسعته، يجد أنها شاملة لمختلف القوى الفاعلة في الثورة السورية. وهو أمر لم يتحقق من قبل في أي تشكيل سياسي للثورة السورية، والأهم هو أن يصل إلى قيادة الائتلاف أشخاص أنتجتهم الثورة في الداخل السوري، وساهموا في حراكها على الأرض.

ويبقى أن المطلوب هو تفادي أسباب فشل تشكيلات المعارضة السياسية، وخاصة حالة العطالة السياسية، الموروثة من عقود انتفاء السياسة ومصادرتها في سوريا، والتي طبعت العمل السياسي المعارض بطابع من الهامشية، لكن الأمر يتعدى ذلك إلى عدم اتباع مسلك يشوّه الفعل السياسي، بوصفه ممارسة تهدف إلى تغيير الواقع، وليس موقفاً أخلاقياً أو مبدئياً فقط، الأمر الذي يفسر تعلق بعض المعارضين وتركيزهم على المواقف المبدئية فقط، مع غياب مقتضيات العمل السياسي المؤسسي. يضاف إلى ذلك ضرورة وضع برامج تغيير واضحة لدى قيادة الائتلاف، وتفادي النواقص والعيوب التي تعتري العمل السياسي السوري المعارض، والتمحور حول هدف دعم الثورة وناسها، وعدم التغاضي عن نقد الأخطاء، بل السعي إلى تخليص الثورة قدر المستطاع من منزلقات التعثر، وإلى تقويم مساراتها وإبعادها عن مندرجات التطرف والتعصب، التي باتت مؤثرة في بعض المواضع، خاصة وأن المجتمع السوري بحاجة إلى عودة السياسة المسلوبة منه، في هذه المرحلة الصعبة والحساسة من تاريخ سوريا.

 29/6/2013 – المستقبل

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة