54 views

سوريا . . ما وراء الحرب وما بعدها ـ حياة الحويك عطية

يشتد عضّ الأصابع، ويُخرج الكثيرون بعض الأوراق من جيوبهم، ينشرونها للاعلام في عملية استعراضية واضحة . فلماذا تنشر “لوس أنجلوس تايمز” عن مكان وزمان ودورات تدريب مسلحي المعارضة في الأردن وتركيا بإشراف ال “سي .آي .إيه”، من دون أن يكذبها أي من المسؤولين في الإدارة الأمريكية؟ ومن ثم تعيد الصحف الأوروبية نشر التقرير الإخباري كاملاً باللغتين (من مثل الفرنسية والإنجليزية على موقع لوموند)؟ ولماذا يخرج فلاديمير بوتين ووزير خارجيته المحنك سيرغي لافروف، وعدد من أعضاء جهازه الدبلوماسي والإعلامي في حملة هجومية منظمة على شرعية تنفيذ صفقات الأسلحة الثقيلة مع الدولة السورية مقابل عدم شرعية تسليح الآخرين للجماعات المسلحة، خاصة الإرهابية منها؟ لماذا تنشر أخبار انشقاق العديد من كتائب الجيش الحر والتحاقهم بجبهة النصرة، في حين تعلن المجموعات المسلحة عن تلقيها أسلحة جديدة سوف تقلب المعادلة على الأرض؟ لماذا تنشر “لو فيغارو” أرقام الأطنان التي زودت بها دول معينة المعارضة السورية، في حين تقدر وسائل أخرى أن مجموع ما صرف على دعم المعارضة السورية بالسلاح وغير السلاح بلغ مئة مليار دولار؟ بل كيف نفسر ما يبدو تناقضاً بين التحليلات العالمية، ففيما يتم الحديث عن تسليح المعارضة، يتحدث وزير خارجية فرنسا لوران فابيوس عن الحل السلمي، علماً أن فابيوس هو اليهودي الأكثر حماسة ل “إسرائيل”، والوزير الأكثر شراسة في فريق فرنسوا هولاند، ضد الحكم السوري؟

أسئلة لا تشكل إلا غيضاً من فيض يذكرنا بأن أكثر معارك فيتنام ضراوة حصلت عندما بدأ التفاوض الدولي، من دون أن يعني هذا أن التفاوض بشأن سوريا سيحسم في “جنيف -2”، ولا ندري كم هو الرقم الذي سنصله قبل الحسم . الكعكة السورية هائلة: استراتيجية وثروات وارتدادات . العالم كله سيتغير مع التغيير السوري أياً يكن شكله، ومرة أخرى تثبت عاصمة الأمويين أنها قلب العالم وأنها لم تكن صدفة أول عاصمة في التاريخ ولم تُلحق الدنيا، صدفة، ببستان هشام .

لكن هذه الأهمية مرتبطة بكم الحقد الذي يجعلنا نضع اليد على القلب: على سوريا الدولة أولاً، على سوريا التاريخ ثانياً، تاريخ الحضارة والتعايش والتعددية الذائبة في الوحدة والثقافة المتجذرة ألفيّاً في حقيقتها، سوريا المقاومة منذ هولاكو ومنذ حروب الفرنجة ومنذ سايكس – بيكو والحقد الفرنسي الذي قصف دمشق ليخضعها، فلم يستطع إلا بتوقيع رفض ومقاومة سجله للتاريخ دم وزير دفاعها يوسف العظمة .

غير أن ثمة بعداً آخر يتعلق بما بعد الحل الذي لايزال بعيداً . بما يتعلق بالثروات وبالخط السياسي وبالإصلاح . وبدءاً من الأخير: الإصلاح حتمية لا بد منها، ولكن أي، إصلاح؟ هل سيكون إصلاحاً يدعم سوريا في موقفها القومي والمقاوم ل “إسرائيل” وللأمركة وبالتالي للعولمة الاقتصادية؟ هل سيكون إصلاحاً يكرس العلمانية السورية النموذجية في مفهوم عربي للعلمنة: يحترم الأديان وحرياتها ويبعدها عن التدخل في الدولة؟ أم أنه سيفرض علينا القبول بأحزاب دينية تكرس الاصطفاف والتخلف وتكرس – أخطر ما تكرس – تقديم الانتماء الديني أياً كانت جغرافيته على الانتماء القومي؟ أم أن المعيار الداخلي سيكون ثانوياً إزاء قبول الجميع بالعولمة وبالتطبيع وبالتخلي عن المشروع القومي، حتى لو قبل الاحتفاظ ببعض الشعارات القومية المفرغة؟ هل سيكون الإصلاح الاقتصادي هو ركوع سوريا، وتسليمها لثرواتها الهائلة للشركات المتعددة الجنسيات التي وصفها اينياسيو رامونيه منذ بداية التسعينات ب “سادة العالم الجدد”؟ وهل هذه الشركات ببعيدة عن تمويل ودعم التدمير ليتسنى لها الإفادة من إعادة الإعمار، وإخضاع البلد لثقافة الاستهلاك المدمرة؟ هل ما يتم تداوله عن “سوليدير” أخرى في حلب ببعيد عن التدمير الممنهج الذي مورس على المدينة وخاصة على مصانعها ومن ثم إحراق المجموعات المسلحة للأسواق القديمة، أطول أسواق مسقوفة في العالم بعد اسطنبول ورمز التجارة السورية القائمة على الإنتاج والمبادلة؟

لمن ستعمل اليد العاملة السورية المعروفة ببراعتها وعراقتها، وماذا سيكون مصير الخصوصية السورية في كل عملية الإنتاج؟ من الذي سيبتز أموال النفط والغاز القادمين: صانع سوري قادر على بناء نهضة، أم شركات أجنبية ومستهلك سوري تُدَمر ثقافته الإنتاجية والوطنية لمصلحة ثقافة استهلاكية مسطحة مفرغة يسهّل نشَرها تعبُ الناس من الحرب؟ . . أسئلة تفصيلية تدور في فلك السؤال الأكبر: أي وجه جديد لسوريا الغد سيقرر وجه العالم العربي وبالتالي العالم؟

 29/6/2013- الخليج

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة