66 views

في التفكير بمعضلات العمل الثوريّ ـ ماجد كيالي

لا تقتصر معضلة الثورة السورية على تفوّق النظام عسكرياً، والقدرة على السيطرة، والتحكّم بالموارد، واستناده إلى شبكات سلطوية واجتماعية متماسكة، وإلى تحالف إقليمي ودولي يقدّم له دعماً غير محدود. فثمة، أيضاً، معضلات ذاتية تعطّل إمكان تطوّر الثورة، وتعيق مسارها، رغم مضي 27 شهراً على اندلاعها، وسيطرتها على أجزاء واسعة من البلاد، ورغم التضحيات الباهظة للسوريين، وبطولاتهم اللافتة.

يأتي في مقدمة ذلك ضعف المبنى التنظيمي للثورة، التي ما زالت تفتقد إلى الهيكلة، والمرجعية، والقيادة، في إطاراتها السياسية والعسكرية والمدنية، وهذا بات معروفاً، ويثير المرارة والقلق والتساؤل في شأن مدى إدراك الأطراف المعنيّة المسؤولية الملقاة على عاتقها. كما يشمل ذلك تحديداً افتقاد الثورة لبيئتها الحاضنة، والمتفاعلة. فثمة غياب واضح لمجتمع السوريين في الصراع ضدّ النظام، وهذا ليست له علاقة بتحولها نحو العسكرة التي تزايدت صيف العام الماضي، بعد السيطرة على أجزاء من حلب وغوطة دمشق، بمقدار علاقته باستراتيجية الصراع السياسية والعسكرية، التي اعتمدها النظام في محاولته الحدّ من اتساع الثورة ووأدها.

في هذا الإطار يمكننا ملاحظة أن النظام اشتغل على مستويات، الأول يتمثل برفع الكلفة البـشـرية والـمادية للثورة، بانتهاجه القوة المفرطة ضدّ البيئات الحاضنة لها، من دون التورّع عن استخدام الطائرات والدبابات والمدفعية، وهذا شـمـل خـصوصاً الأماكن التي وجدت فيها جماعات «الـجيـش الـحر» مـلاذاً آمـناً. والمستوى الثاني لا يتمثّل فقط بحرمان الثورة من الكتل الشعبية، الحاضنة، وإنما حتى بتحويل هذه الكتل عبئاً عليها، ناهيك عن إخراجها من دائرة موازين القوى في الصراع الجاري، بحيث بات ملايين من السوريين يـفتقدون بـيـوتـهم، وممتلكاتهم، ومصادر رزقهم، مشرّدين داخل سورية، أو لاجئين خارجها. وهذه سابقة لم تحصل في أية تجربة سابقة، فحتى في عراق صدام لم تحصل على هذا النحو، وفي فترة وجيزة. وواضح أن الأمر لم يعد يتعلق فقط بافتقاد الثورة لتفاعل -أو تعاطف- مجمل مكوّنات المجتمع معها، وإنما بات يشمل افتقادها حتى لتفاعل أكثرية السوريين، من الحاضنين لها؛ وهو أمر ينبغي درسه، ومعرفة كيفية التعامل معه.

أما المــستوى الثالـث فيتمثل بتـشــويه صـورة الـثورة، بتـقويـض صدقـية مـقاصدهـا، وسلـبها قوّتها الأخـلاقية، ومحو الفارق بينها وبين النظام. فإذا كـان يـقتل ويمـتهن الكرامات ويـسيطر على الموارد ويفـرض سـياساته بـالـقـوة، فـثمة في «الثورة» من يمارس ذلك أيضاً. ويبـدو أن النظام استطاع -مع ما يتوافر له من شبكة احزاب ووسائل اعلام وعــلاقات ديبلـوماســية ومـصالـح اقتصادية- تظـهيـر كثيـر من السلبيات، في المناطق التي تخضع لسيطرة الثـورة، والنفخ فيها، للحط من قدر الثورة، باعتبارها لا تشكل البديل المتوخّى للسوريين، وهو ما شوّش، أيضاً، على صورة ثورة السوريين على الصعيدين العربي والدولي، وزعـزع القـوة الأخـلاقية الـتي كانـت تتـمتع بها في الأشـهر الأولى.

هذا يلفت الانتباه إلى المعضلة المتمثلة بحال الاضطراب في إدارة المناطق «المحرّرة»، في حلب وشمالها، والرقة، وبعض مناطق دمشق وغوطتها، التي تعاني من فلتان أمني، بسبب عدم وجود هيكلية لـ «الجيش الحر»، ولأن كثيراً من الجماعات العسكرية جماعات أهلية، أو تتبع جماعات إسلامية متطرفة لا تعتبر نفسها ضمن إطار الثورة ذاتها. وقد تزايدت الآثار السلبية لكل ذلك في ظل تعدّيات على الأفراد والممتلكات، ومع محاولة بعضهم فرض وجهات نظره بالقسر وقوة السلاح، من دون وجود أي رادع له. وبديهي أن هذا الوضع يضغط على السوريين، ويؤدي إلى ضرب صدقية الثورة عندهم، إذ تبدو هنا المقارنة بين حال الثورة والنظام، وكأنها لمصلحة النظام، حيث ثمة مرجعية واحدة وضبط لعمليتي القمع والنهب. ولعل ما يفاقم كل ذلك أن الثورة لم تستطع بناء استراتيجية مناسبة لتحسين صورتها، وتوضيح مقاصدها، وتفنيد ادعاءات النظام، إن بحسمها في مواجهة السلبيات، أو بتأكيد طابعها كثورة وطنية ديموقراطية.

أيضاً، تكمن معضلة الثورة في التحول نحو العسكرة من دون أن تسبق ذلك أي محاولة لترتيب مرجعية أو اطارات سياسية وتنـظيـمية لها، ومن دون التبصّر في كيفية إدارة الصراع في الميدان العسكري، مع ملاحظة التفوق العـسكري لـلنـظام، وعــدم تورّعـه عن القتل وتخريب العمران، واسـتـناده الى قـوى عســـكرية إقـليـمية ودولية، في ظل افتقار الحامل الـعسـكري للـثورة الى كل ذلك. هنا، ثمة أسئلة تطرح نفـسها، مع التـسـليم جدلاً بمـشروعيـة التحول نحو العسكرة: فهل كان ضرورياً ان تـسـير الأمور على النحو الذي سارت عليه عسكرياً؟ بمعنى أدق، هل السيطرة على أجزاء من حلب والرقة ومخيم اليرموك ودوما وبرزة وداريا كانت عملاً ضرروياً، أم ثمة خيارات عسكرية أخرى؟ وهل خدم ذلك استراتيجية الثورة في مواجهة النظام أم أضر بها؟ ثم هل أثقلت هذه الخطوات على النظام أم خفّفت الأعباء عنه؟ وهل زجّت السيطرة على هذه المناطق كتلاً شعبية أكبر في الصراع ضد النظام أم أخرجتها من هذه الدائرة؟ وأخيراً، هل ساهم ذلك في تشتيت القوى العسكرية للنظام أم سهّل تحشيدها وتحسين إدارتها، لا سيما مع فرض الحصار على كثير من المناطق «المحررة» في حمص وحلب ودمشق؟

أخيراً ثمة معضلة متعلّقة بفكرة الحل السياسي. فرغم الخلل في موازين القوى، والافتقاد للكتلة الشعبية المتفاعلة مع الثورة، وغياب الدعم الدولي والإقليمي، ثمة من يرفض ملاقاة أي جهد دولي للانتهاء من النظام، من دون توضيح الاستراتيجية التي يعتمدها.

ما ينبغي إدراكه أن الحل السياسي نتيجة طبيعية لأي حالة صراع مسلح وغير مسلح، وهذا يصحّ على سورية، خصوصاً بعدما بات ثمة اجماع دولي على استحالة عودتها إلى السابق، ومع انتهاء فكرة «سورية الأسد إلى الأبد». والقصد أن القوى المسؤولة في الثورة معنية بحض أي حل يعجّل التغيير السياسي، بأقل ثمن من الدماء، والتشققات المجتمعية… لأن استنقاع ثورة ما، لا سيما من طراز الثورة السورية المسلحة، ربما تكون تداعياته أخطر على سورية الدولة والمجتمع، من الأخطار الناجمة عن مساومة معينة على شكل المرحلة الانتقالية، التي تتأسّس على الإنتهاء من نظام الأسد، بدءاً من وقف القتل والتدمير، والإفراج عن المعتقلين، وصولاً إلى تحقيق التغيير الديموقراطي.

 

الحياة ـ ٣٠ يونيو ٢٠١٣

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة