111 views

البحث عن تسوية تاريخية في سورية ـ نيروز ساتيك

أين يكمن الحل؟

سؤال يتبادر إلى ذهن كل سوري عن كيفية إيقاف نزيف دماء الشعب السوري بعد أن بلغت مستويات العنف درجة غير مسبوقة في التاريخ السوري تستنزف فيه سورية الدولة. يحاول المؤرخ السوري محمد جمال باروت في كتابه “العقد الأخير في تاريخ سورية جدلية الجمود والإصلاح” الإجابة عن هذا السؤال بعد أن عالج الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في العشرية الأخيرة للمجتمع السوري ويوميات الأشهر الأربعة الأولى من عمر الانتفاضة السورية. والكتاب صادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في ربيع 2012.

يركز باروت في الكتاب على دور رجال الأعمال والفئات البيروقراطية النافذة في عملية اتخاذ القرارات وصوغها بما يناسب مصالحها الخاصة مشيرًا إلى ذلك من خلال حذف الشق الإصلاحي المؤسسي من الخطة الخمسية العاشرة, وإتباع سياسات ليبرالية ساذجة تخدم بالدرجة الأولى فئة رجال الأعمال المتحالفة مع الأجهزة الأمنية ورأس المال الخليجي. واصفًا إياها بمجموعة “المئة الكبار” أو بمصطلح معياري بـ”الذئاب الشابّة”.

يمثل مفهوم النظام التسلطي المتلبرل اقتصاديًا أحد أهم المفاهيم التي بلورها البحث لفهم اندلاع حركة الاحتجاجات والثورات العربية عمومًا، وفي سورية خصوصًا. يقوم هذا النمط من الأنظمة على المزاوجة بين اللبرلة الاقتصادية والاستبداد السياسي والذي قد يحقق نموًا اقتصاديًا مقبولًا, ولكنه محتكر من قبل القلة, أي نمو دون تنمية بسبب غياب التنظيم المؤسسي والتنمية السياسية المرتكزة على العملية الديمقراطية. عمل باروت على تحليل نتائجه بشكل دقيق من خلال شرح ما وصل إليه قطاعي الصناعة والزراعة, وزيادة نسب الفقر والبطالة, والتفاوت في نسب النمو بين منطقة وأخرى. ولذلك حصدت مدينتا دمشق وحلب المليونيتين الآثار الإيجابية للنمو, بينما حصدت المدن المتوسطة والصغيرة والأرياف نتائجه السلبية. مما يقودنا إلى الاستنتاج أنه لم يبق أمام الفئات المهمشة من الشعب السوري، ولاسيّما الشباب منها، والمتضررة بشكل أكبر من غيرها من السياسات الحكومية, سوى الشوارع كوسيلة لإيصال مطالبها في ظلّ غياب المؤسّسات والقنوات السياسيّة الفعّالة والقادرة على التعبير عن إرادتها ومطالبها, تبعًا لحالة الاستبداد السياسي.

عمل الباحث على تحقيب مراحل الحركة الاحتجاجية في سورية في إطار تحليل اجتماعي لها, مرتكزًا على حدث يمثل منعطفًا أساسيًا, يغير من قواعد حركة الثورة. وخلال سرد الباحث لمراحل الاحتجاجات يتبين للقارئ الترابط بين الفرضيات التي طرحها في التحليل الاقتصادي والاجتماعي للمجتمع السوري وبين تطور الحركات الاحتجاجية واكتسابها أنماطًا متعددة. حيث سيتبين لدى القارئ أن المناطق التي شهدت الاحتجاجات هي التي تضررت من سياسات اللبرلة الاقتصادية, بينما لم تنضم المناطق التي تساقطت فيها آثار النمو الاقتصادي إيجابيًا إلى الاحتجاجات حتى تاريخ انتهاء فترة الدراسة. لكن الباحث يشتق قانونية لتوسع الحركات الاحتجاجية واحتمال اندلاعها في كل لحظة يظهر فيها دور المثير الأمني لأن القابلية للثورة متوافرة في غالبية المدن السورية, ولكن من دون تدخل العامل المفاجئ أو المثير الأمني لا تتحول هذه القابلية إلى حركة. وذلك على الرغم من تأكيده على أهمية العامل التضامني المحلي في دفع زخم الاحتجاج وتطويره, ودوره في إحداث التغيير خلال تحليله لسرد الأحداث في درعا والمناطق الأخرى.

كما نجح الباحث في استخدام نظرية المركز والأطراف في إعادة بنائها محليًا لتوصيف حركة الاحتجاجات في سورية. حيث يجد القارئ أن الثورة نجحت في المناطق التي انضمت فيها مراكز الأطراف إلى الثورة, ولم تنجح في المناطق التي لم ينضم فيها المركز إلى الأطراف. وعند تعميم المقاربة النظرية على سورية كلها تصبح دمشق وحلب هما المركز وبقية المحافظات هي الأطراف, ولذلك ينظر الباحث إلى الثورة السورية على أنها ثورة المجتمعات المحلية.

وبالتأكيد لا تجري الاحتجاجات في حيز خاص أو مغلق, ولا بد لها من أن تتفاعل مع القضايا الاجتماعية المحيطة بها سواء أكان بشكل إيجابي أو سلبي. ولذلك عمل باروت على استعراض مراحل الحركة الاحتجاجية في سياقها الاجتماعي, وأوضح أن الحركة الاحتجاجية في سورية بدأت ضمن الوسط الشعبي الريفي في مناطق حوران والمجتمعات المحلية المهمشة في المدن الصغيرة والمتوسطة. ولذلك أخذت مسألة حمل السلاح من قبل الأهالي خلال فترة الدراسة طابعًا بدائيًا تقليديًا يعكس واقع البنى الاجتماعية العشائرية والتقليدية والاقتصادية التي انطلقت منها حركة الاحتجاج, وذلك ردًا على الاقتحامات الأمنية المتكررة. وهو ما اصطلح على تسميته ب”دفع الصائل”. وينسحب ذلك على مسألة السلفية الشعبوية والتي أفرد لها الباحث أكثر من قسم في تناولها في إطار الخلافات الحادة بين رجال الدين الفاعلين في سورية.

يصل باروت في نهاية الكتاب إلى فكرة التسوية التاريخية التي تقوم في معطاها الميداني على عدم مقدرة الشارع المنتفض على إسقاط النظام, ولا قدرة النظام على إخماد الشارع, والعودة إلى ما كان عليه قبل الثورة. ويشترك في التسوية التاريخية كل الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين في سورية الذين يلتزمون بوحدتها وديمقراطيتها وبناء السياسة على أساس وحدة وحيدة هي المواطنة ومن يرفضون تسييس الهويات أي جعلها طائفية. بمعنى أن التسوية أيا كان المشتركين فيها لا تتم على أساس التمثيل الطائفي أو العشائري، فالحل هو وضع الأسس لبناء النظام الديمقراطي. ولم يفصل الكتاب ما هي السياسات اللازمة للتسوية وربما ترك ذلك مفتوحا بسبب الطبيعة الانتقالية للتحولات الجارية في سورية. وفي كافة الأحوال، فإن الكتاب صاغ رؤيا من شأنها ترشيد السياسات وليس طرح سياسات بعينها.

إن رؤية باروت لـ”التسوية التاريخية” ليست رؤية فكرية-سياسية مجردة بل هي مشتقة من حقائق الاجتماع السوري المركب الهوية، ومستندة إلى فهم عميق للمؤشرات السكانية والاجتماعية- الاقتصادية السورية، ولمراحل تطور التاريخ السوري على مختلف جوانبه الاقتصادية والاجتماعية والحزبية والدستورية والعمرانية والسكانية والثقافية.. إلخ. ويجمع هذا الفهم بين المقاربتين الكمية والنوعية للمسألة السكانية-الاجتماعية- الاقتصادية –السياسية المركبة للاجتماع السوري، وبالتالي ليس هناك أي مجال للحديث في رؤيته عن أفكار مجردة قائمة في حد ذاتها بل عن أفكار قائمة على مؤشرات كمية ونوعية مضبوطة علميًا، ودقيقة وفق آليات إنتاجها العلمي. بينما يتمثل جوهرها على مستوى الرؤية في أن التسوية التاريخية محطة إجبارية للمجتمع السوري مهما كانت احتمالات تطور الثورة السورية واتجاهات اللاعبين الداخليين الإقليميين والدوليين بوصف أن سورية قد غدت الآن مكسر عصا لعبة الأمم، ومجمع تكاثف سلال قطف الثمرة الساقطة اليانعة. هذه التسوية صحيحة في مختلف الظروف التي مرت وتمر وستمر بالأزمة السورية، وهي صحيحة تحت أي سقف ومهما كان هذا السقف، وأن كل تأخر عنها لن يعني سوى مزيد من إطالة قوائم الشهداء والضحايا. وهي مسألة برسم السياسيين السورريين ليحددوا في ما بينهم قواعد اللعبة ولاعبيها الأساسيين واضعين المصلحة الوطنية السورية فوق كل اعتبار بعيدًا عن الاعتبارات الشخصية والحسابات الدولية.

 الجمعة 28/06/2013, المدن

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة