36 views

سوريا لن تكون مستنقع إيران ـ فانس سيرتشوك

على مدى العامين الماضيين، دق انزلاق سوريا إلى حرب أهلية ناقوس الخطر وولّد حالة من الذعر في واشنطن. وبينما دخل المسؤولون في سجال حول حدود تدخل الولايات المتحدة ووجوب ذلك التدخل، يتفق الجميع على أن النزاع يشكل كارثة إنسانية وتهديدا للمصالح الأميركية عبر أنحاء الشرق الأوسط، بما في ذلك استقرار الحلفاء، والصراع ضد الجماعات الإسلامية المتطرفة والجهود الرامية لإبقاء أسلحة الدمار الشامل بمعزل عن أيدي الإرهابيين.

لكن مؤخرا انضم رأي آخر إلى هذا السجال: فكرة أنه، مع كون تفكك سوريا البطيء مأساويا بما لا يدع مجالا للشك، فإنه ربما لا يشكل خطرا جسيما يهدد مصالح الولايات المتحدة. بل قد ينطوي على مكاسب انتهازية متمثلة في توريط إيران، عدونا في المنطقة، في صراع ممتد مع تنظيم القاعدة يستنزف قوى الطرفين. وبحسب هذه النظرية، قد تصبح سوريا بالنسبة لإيران مثلما كانت حرب العراق بالنسبة للولايات المتحدة.

بالنسبة لإدارة أوباما، التي تتعرض لانتقادات لاذعة بسبب أسلوب إدارتها للأزمة، قد تكون هذه فكرة مغرية – وتبريرا مناسبا لعدم محاولة القيام بتدخل أكثر حسما ربما يوقف دوامة العنف.

غير أن ثمة مبررا جيدا – بعيدا عن حساباته الأخلاقية غير المنطقية – مفاده أن هذا الرأي ما زال يطرح همسا وفي الأغلب على هامش السجال. وربما بسبب نقاط الضعف في حجة متبنيه، لا يحظى بدعم كبير.

بالنسبة للمبتدئين، يفترض الرأي أن النزاع السوري يجرف الإيرانيين إلى مستنقع يستنزف قوتهم ويلهيهم عن مصالح أهم. ولسوء الحظ، تشير الأدلة إلى أن طهران التي هبت لإنقاذ الرئيس السوري بشار الأسد، قد حققت انتصارات في أماكن أخرى، من بينها اليمن والعراق.

ويرجع ذلك إلى أن حالة عدم الاستقرار التي يؤججها الصراع السوري عبر أنحاء الشرق الأوسط تعتبر إيجابية بالنسبة لإيران: الاستقطاب الطائفي يدفع حكومات شيعية إلى الاقتراب من طهران، فيما تضعف تدفقات اللاجئين حلفاء أميركا الرئيسين، مثل الأردن وتركيا.

في الوقت نفسه، ليس ثمة إشارة دالة على معاناة إيران من تداعيات ذات معنى لتدخلها المميت في سوريا. على النقيض، تهيئ إراقة الدماء الممتدة هناك ظروفا إقليمية من المرجح أن تتوطد فيها السطوة الإيرانية.

فضلا عن ذلك، فإن التدخل في سوريا لم يفعل شيئا – ولن يفعل – من أجل إضعاف ورقة إيران الاستراتيجية الرابحة: برنامجها النووي. خلال العامين منذ بدء الثورة ضد الأسد، حققت إيران تقدما مطردا صوب تطوير قدراتها النووية. لقد زادت مخزونها من اليورانيوم المخصب، ونصبت جيلا جديدا من أجهزة الطرد المركزي ومضت قدما في إنشاء مفاعل نووي يعمل بالماء الثقيل والذي سوف يوفر مسارا بديلا نحو إنتاج قنبلة نووية.

ولا يبدو أن مساعدة إيران المقدمة للأسد تستنزف موارد الجمهورية الإسلامية. وعلى الرغم من أنها تمثل عبئا غير مرغوب فيه بالنسبة لإيران في وقت يواجه فيه النظام عقوبات اقتصادية، فإن أسلوب طهران في التعامل مع النزاع لم يكن على طراز العراق، ممثلا في تخصيص مئات الآلاف من القوات البرية. بل إنها تسعى إلى ترك «بصمة خفيفة» أشبه إلى أسلوب إدارة أوباما المفضل في خوض الحرب ضد الإرهاب بالاعتماد على عدد محدود من نسختها من قوات العمليات الخاصة، فيلق القدس، التي تدعم وكلاءها المحليين في المنطقة.

بالطبع، ثمة جانب آخر لحرب العراق ربما تدرسه إدارة أوباما قبل أن تأمل في خوض تجربة مماثلة بشأن إيران: ألا وهو أنه في النهاية، انتصرت الولايات المتحدة.

عندما تولى الرئيس أوباما منصبه في عام 2009، قسم ظهر حركة التمرد الوثيقة الصلة بتنظيم القاعدة وتم اقتلاع الميليشيات المنتمية لإيران من جذورها، وكان إطار العمل قائما لعلاقة شراكة طويلة الأجل بين واشنطن وبغداد.

ما الذي قد تبدو عليه نتيجة مشابهة بالنسبة لسوريا؟ كانت لدينا نظرة عامة عن ذلك المستقبل خلال الشهر الماضي، إذ مكنت موجة دعم من إيران وحزب الله الأسد من تحقيق مكاسب كبرى في ساحة القتال ضد الثوار.

كانت حرب العراق مدمرة بالنسبة للولايات المتحدة بدرجة كبيرة، حتى عام 2007، كنا نتكبد خسائر. ليس بمقدور أحد في الشرق الأوسط يشاهد التطورات الأخيرة في سوريا أن يقول ذلك عن إيران. لقد قررت إدارة أوباما إرسال أسلحة خفيفة وذخيرة إلى المعارضة. ولكن حتى إذا بدأ ذلك يقضي على زخم الأسد والإيرانيين – افتراض متفائل – فإن العودة إلى مأزق دموي ما زالت تعد مكسبا بالنسبة لطهران.

ويرجع ذلك إلى أن الأسد ليس بحاجة إلى إعادة احتلال سوريا بأكملها كي يظهر الإيرانيون ناجحين. في كل يوم يبقى فيه الأسد في السلطة بفضل مساعدة الإيرانيين، تظهر طهران أن بمقدورها منع إدارة أوباما من تحقيق هدفها المعلن وهو الإطاحة بالأسد – وأن إيران، وليست الولايات المتحدة، هي القوة المعنية في المنطقة. وكلما طال القتال، زاد تطرف المجتمع السوري ودرجة التعمق التي يمكن أن يجرف الإيرانيون أنفسهم إليها.

يشير هذا إلى عيب أخير لمقارنة التجربة الأميركية في العراق بتدخل إيران في سوريا. وبعد تجاوز المرحلة الحرجة في العراق، انسحبت الولايات المتحدة تحت قيادة أوباما. يمكنك أن تراهن على ذلك في سوريا، لن يقترف قادة إيران الخطأ نفسه.

سوريا لن تكون مستنقع إيران

فانس سيرتشوك – الشرق الأوسط

على مدى العامين الماضيين، دق انزلاق سوريا إلى حرب أهلية ناقوس الخطر وولّد حالة من الذعر في واشنطن. وبينما دخل المسؤولون في سجال حول حدود تدخل الولايات المتحدة ووجوب ذلك التدخل، يتفق الجميع على أن النزاع يشكل كارثة إنسانية وتهديدا للمصالح الأميركية عبر أنحاء الشرق الأوسط، بما في ذلك استقرار الحلفاء، والصراع ضد الجماعات الإسلامية المتطرفة والجهود الرامية لإبقاء أسلحة الدمار الشامل بمعزل عن أيدي الإرهابيين.

لكن مؤخرا انضم رأي آخر إلى هذا السجال: فكرة أنه، مع كون تفكك سوريا البطيء مأساويا بما لا يدع مجالا للشك، فإنه ربما لا يشكل خطرا جسيما يهدد مصالح الولايات المتحدة. بل قد ينطوي على مكاسب انتهازية متمثلة في توريط إيران، عدونا في المنطقة، في صراع ممتد مع تنظيم القاعدة يستنزف قوى الطرفين. وبحسب هذه النظرية، قد تصبح سوريا بالنسبة لإيران مثلما كانت حرب العراق بالنسبة للولايات المتحدة.

بالنسبة لإدارة أوباما، التي تتعرض لانتقادات لاذعة بسبب أسلوب إدارتها للأزمة، قد تكون هذه فكرة مغرية – وتبريرا مناسبا لعدم محاولة القيام بتدخل أكثر حسما ربما يوقف دوامة العنف.

غير أن ثمة مبررا جيدا – بعيدا عن حساباته الأخلاقية غير المنطقية – مفاده أن هذا الرأي ما زال يطرح همسا وفي الأغلب على هامش السجال. وربما بسبب نقاط الضعف في حجة متبنيه، لا يحظى بدعم كبير.

بالنسبة للمبتدئين، يفترض الرأي أن النزاع السوري يجرف الإيرانيين إلى مستنقع يستنزف قوتهم ويلهيهم عن مصالح أهم. ولسوء الحظ، تشير الأدلة إلى أن طهران التي هبت لإنقاذ الرئيس السوري بشار الأسد، قد حققت انتصارات في أماكن أخرى، من بينها اليمن والعراق.

ويرجع ذلك إلى أن حالة عدم الاستقرار التي يؤججها الصراع السوري عبر أنحاء الشرق الأوسط تعتبر إيجابية بالنسبة لإيران: الاستقطاب الطائفي يدفع حكومات شيعية إلى الاقتراب من طهران، فيما تضعف تدفقات اللاجئين حلفاء أميركا الرئيسين، مثل الأردن وتركيا.

في الوقت نفسه، ليس ثمة إشارة دالة على معاناة إيران من تداعيات ذات معنى لتدخلها المميت في سوريا. على النقيض، تهيئ إراقة الدماء الممتدة هناك ظروفا إقليمية من المرجح أن تتوطد فيها السطوة الإيرانية.

فضلا عن ذلك، فإن التدخل في سوريا لم يفعل شيئا – ولن يفعل – من أجل إضعاف ورقة إيران الاستراتيجية الرابحة: برنامجها النووي. خلال العامين منذ بدء الثورة ضد الأسد، حققت إيران تقدما مطردا صوب تطوير قدراتها النووية. لقد زادت مخزونها من اليورانيوم المخصب، ونصبت جيلا جديدا من أجهزة الطرد المركزي ومضت قدما في إنشاء مفاعل نووي يعمل بالماء الثقيل والذي سوف يوفر مسارا بديلا نحو إنتاج قنبلة نووية.

ولا يبدو أن مساعدة إيران المقدمة للأسد تستنزف موارد الجمهورية الإسلامية. وعلى الرغم من أنها تمثل عبئا غير مرغوب فيه بالنسبة لإيران في وقت يواجه فيه النظام عقوبات اقتصادية، فإن أسلوب طهران في التعامل مع النزاع لم يكن على طراز العراق، ممثلا في تخصيص مئات الآلاف من القوات البرية. بل إنها تسعى إلى ترك «بصمة خفيفة» أشبه إلى أسلوب إدارة أوباما المفضل في خوض الحرب ضد الإرهاب بالاعتماد على عدد محدود من نسختها من قوات العمليات الخاصة، فيلق القدس، التي تدعم وكلاءها المحليين في المنطقة.

بالطبع، ثمة جانب آخر لحرب العراق ربما تدرسه إدارة أوباما قبل أن تأمل في خوض تجربة مماثلة بشأن إيران: ألا وهو أنه في النهاية، انتصرت الولايات المتحدة.

عندما تولى الرئيس أوباما منصبه في عام 2009، قسم ظهر حركة التمرد الوثيقة الصلة بتنظيم القاعدة وتم اقتلاع الميليشيات المنتمية لإيران من جذورها، وكان إطار العمل قائما لعلاقة شراكة طويلة الأجل بين واشنطن وبغداد.

ما الذي قد تبدو عليه نتيجة مشابهة بالنسبة لسوريا؟ كانت لدينا نظرة عامة عن ذلك المستقبل خلال الشهر الماضي، إذ مكنت موجة دعم من إيران وحزب الله الأسد من تحقيق مكاسب كبرى في ساحة القتال ضد الثوار.

كانت حرب العراق مدمرة بالنسبة للولايات المتحدة بدرجة كبيرة، حتى عام 2007، كنا نتكبد خسائر. ليس بمقدور أحد في الشرق الأوسط يشاهد التطورات الأخيرة في سوريا أن يقول ذلك عن إيران. لقد قررت إدارة أوباما إرسال أسلحة خفيفة وذخيرة إلى المعارضة. ولكن حتى إذا بدأ ذلك يقضي على زخم الأسد والإيرانيين – افتراض متفائل – فإن العودة إلى مأزق دموي ما زالت تعد مكسبا بالنسبة لطهران.

ويرجع ذلك إلى أن الأسد ليس بحاجة إلى إعادة احتلال سوريا بأكملها كي يظهر الإيرانيون ناجحين. في كل يوم يبقى فيه الأسد في السلطة بفضل مساعدة الإيرانيين، تظهر طهران أن بمقدورها منع إدارة أوباما من تحقيق هدفها المعلن وهو الإطاحة بالأسد – وأن إيران، وليست الولايات المتحدة، هي القوة المعنية في المنطقة. وكلما طال القتال، زاد تطرف المجتمع السوري ودرجة التعمق التي يمكن أن يجرف الإيرانيون أنفسهم إليها.

يشير هذا إلى عيب أخير لمقارنة التجربة الأميركية في العراق بتدخل إيران في سوريا. وبعد تجاوز المرحلة الحرجة في العراق، انسحبت الولايات المتحدة تحت قيادة أوباما. يمكنك أن تراهن على ذلك في سوريا، لن يقترف قادة إيران الخطأ نفسه.

 2/6/2013 – الشرق الأوسط

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة