37 views

الأزمة السورية في الخارطة الدولية ـ خالد ممدوح العزي

الصراع السياسي وبخاصة الاقتصادي يتصاعد في كل الدول الكبرى، والسبب يعود لعدم وجود خطة اقتصادية إنقاذيه شاملة لدى هذه الدول، بالطبع الشرق الاوسط مكان مفعولاً به في سياسة هذه الدول، ومرحلة انتقالية للمعارك الجديدة القادمة على خارطة العالم الجديد.

المعركة القادمة للسيطرة الجيو-سياسية هي مناطق آسيا الوسطى وأفريقيا… وليست منطقة الدول العربية التي تغير أنظمة الحكم فيها تدرجياً. المشكلة العربية أضحت أسيرة لمصالح دولية، لم تحل ولن تخرج نتائج تسوياتها الخاصة، فالأزمة السورية أصبحت ورقة لتحسين الشروط الدولية في صراع عالمي يحاول تقاسم المصالح والنفوذ والشعب السوري يدفع الثمن. الجميع يحاول إنتاج نظام دولي جديد له الدور الأكبر والأكثر فعلية فيه، من خلال التمسك بملفات خاصة، محاولاً إيجاد تحالفات جديدة له في المنطقة والعالم، لطرح أو إطلاق دبلوماسية أوسع وأكبر، ومن نوع جديد يكون فيها تعدد الأقطاب هو السائد والحاكم. ولعل اتفاق جنيف الركيزة التي يعمل على بنائها للدخول في تسوية بالرغم من فشل الأول والإصرار على عقد الثاني بظل عدم تحديد موعد لانعقاده، وربما لن ينعقد وسيتم الحديث لاحقاً عن “جنيف 3”.

أوروبا العام الماضي لم تجدد البيعة لزعمائها وأحزابها، الذين وافقوا على سياسة التقشف، علهم يسيطرون على زمام الازمة الاقتصادية، لكن الشعب قرر معاقبتهم واستبدالهم باليسار واليسار يخاف من الشارع والانقلاب عليه، وربما عدم تسليح المعارضة السورية كان سببه الخوف الفعلي لحكومات أوروبا من الدخول بأزمات، بالرغم من أن زعماءها ما زالوا يصرون على التسليح. فاليسار الاوروبي الذي يسيطر على معظم دول اوروبا، لا جدوى منه لأنه ليس هذا اليسار القديم ولا الجديد الجدي والقوي. لا يتمتع اليسار ببرنامج أو اديولوجية جديدة مميزة يستقطب من خلالها عامة الشعب، لقد فشل بالأصل في طرح أفكاره لحماية المواطن وخاصة من شجع الرأسمالية وسطوتها على أموال الدولة والمواطن مما ساعد على نشوء أزمات اقتصادية، لكن سيطرة اليسار في اوروبا سوف تنتهي بنمو اليمين المتطرف، وهذا هو الجزع الحقيقي في أوروبا، هذا الوضع يذكرنا ببداية ثلاثينات القرن العشرين عندما وصلت النازية الالمانية الى سدة الحكم بواسطة الانتخابات الشعبية وبالطريقة الديمقراطية عن طريق الانتخابات وصناديقها.

روسيا تتحمل، جزءاً كبيراً من الكارثة في سورية، لقد تمادت كثيراً، ولم تعمل على ضبط الازمة بل اطلقت لها العنان، ساهمت بالكارثة الفعلية، واطلقت زئيرالاسد، ومدته بالسلاح والمال والمعلومات والحصانة الدولية فرفعت الفيتو ضد العرب 3 مرات لحماية ايران وليس سورية، روسيا عينها على ايران، بسبب ضعف التقدير الروسي والذي يمتاز برأينا بضعف الرؤية الاستراتيجية. روسيا ما زالت حبيسة أوهام قديمة كونها دولة محورية في العالم. ومن خلال الورقة السورية يمكن فرض نفسها لاعباً على الحلبة الدولية لتعيد نفوذها المفقود بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، والعودة الى الشرق الأوسط. بالرغم من اعتراض روسيا الدوؤب على عدم تسليح المعارضة وإصرارها على دعم الأسد ونظامه. روسيا اليوم باتت على وشك اليقين بأن النظام فقد شرعيته وقدرته القتالية وشعبيته بالرغم من القصير كانت الدليل الكافي باعترافات المبعوث الخاص للرئيس بوتين إلى الشرق الأوسط ميخائيل بوغدانوف في مقابلته مع جريدة اللحياة اللندنية المحاولة الأخيرة لفرض واقع تفاوضي من خلال نصر وهمي يساعد النظام في مؤتمر “جنيف 2”.

روسيا أضحت أمام حكم القيصر الحقيقي في ادارة الملفات الدولية العالقة، وتصريحات بوتين كلها منذ وصوله في العام الماضي الى الكريملين هي بمثابة خارطة طريق من قبله للتعامل مع الملفات السياسية والتي بدأها بلهجة تصعيدية في التعامل مع أميركا. لروسيا وأميركا مصالح مشتركة في ترتيب وتهدئة العلاقات بينهما من خلال ادارة العلاقات بطريقة جيدة تخدم البلدين، فالملفات العالقة محصورة كلها بين موسكو وواشنطن، لكن بعد لقاء قمة الثمانية في 19 حزيران 2013, صعدت الازمة السياسية ووضعها في المربع الاول. هناك ملفات كبيرة ومتأزمة بين البلدين وهي بحاجة للحل السريع والجيد وتتطلب ادارة حكيمة ومنها: “الازمة السورية ومستقبل الحكم القادم”.

الحكومات في روسيا، اسبانيا، فرنسا، اليونان، اميركا واسرائيل عقّدت المشهد السياسي العام، بسبب مواقفها الناتجة عن مشاكلها الداخلية. بظل هذا اللوحة العالمية قد ينتج تقارب بين “روسيا- وأميركا” لكسر الجليد السياسي العالمي يعطي روسيا بعض الامتيازات البسيطة التي تعلنها نصراً دولياً. ففي فرنسا والمانيا تكمن المشكلة الاوروبية الاجتماعية والاقتصاية ومشكل النمو وهي مشاكل ذات ابعاد ذاتيه داخلية الى حد ما وكذلك المشكلة في روسيا صعود الطبقة المتوسطة وصعوبة تجاهلها وفي اميركا البطالة والتضخم الاقتصادي ووصعوبة التحكم بالقرار السياسي وضعف اوباما في اخذ القرارات السياسية خوفاً من مستنقعات جديدة. فآخر تقرير للتنمية البشرية لا يبشر بخير. ان هذا الصراع الدولي لا يزال ينظر الى المنطقة العربية على انها منفعل وليس فاعلاً.

الربيع العربي وتأزم الوضع في داخل الدول العربية وصعود الاسلاميين الى سدة الحكم، لكن غياب التجربة والبرامج الاقتصادية عند الطبقة الجديدة، ساهمت بانقسام الشارع بين معارضين وموالين، لا شك بان المشهد الدولي معقد وقد زاد من اعباء وتأزم كافة القوى الدولية. في البداية كانت المشكلة مع أميركا والآن اضحت مع اميركا وروسيا.

الازمة السورية تراوح بين الموقف” الصيني- الايراني ا لروسي” وحلفهم المعتمد على الميليشيا المذهبية التي تأتمر بأمرة ولي الفقية في ايران. والموقف الاميركي الاوروبي التركي العربي” المدعوم من قوى اسلامية قادمة من دول سنية تواجه الهلال الايراني. العالم كله كأنه يتقلب على صفيح ساخن! والحرب المذهبية تفرض نفسها في المنطقة وتؤسس لحرب طويلة، لا تنتهي شرارتها في سورية بل سوف يمتد لهيبها الى العالم. امام هذه المشهد المأسوي لا يوجد شيء له معنى، سواء أكنت جمهورياً أم ديمقراطياً، سواء أكنت إسلاميا أم محافظاً أم ليبرالياً ام علمانياً. فالحالة الوحيدة التي لها معنى، هي إيقاف شلالات الدم في سورية.

العالم كله اليوم يؤكد على ضرورة إنجاح مؤتمر جنيف والانتقال السلمي للسلطة. فالسبب الاساسي الذي يجمع بين مختلف السياسات العالمية والتوجهات المختلفة هو الغياب العلني لعدم الاتفاق على مبادرة سياسية قابلة للتنفيذ من قبل مجلس الامن، وهيئة الامم، والسكوت الاميركي، والتواطؤ الروسي على كل جرائم الاسد وغياب أي ضغوط عسكرية على الاسد، التي تؤشر على روائح صفقة خاصة بين الغرب والروس ونظام الاسد وبضغط اسرائيلي على حساب استسلام الثورة السورية، بسبب التنافس الدولي الودي على حماية امن اسرائيل.

إن فشل عقد أي مؤتمر دولي ينهي شلال الدم السوري، يعني فشل مجلس الأمن كلياً في ايجاد حل سلمي للازمة السورية وبالتالي العالم كله يكون قد ترك سورية للنظام، لكي يسكت صوتها بقوة البطش والقتل. فالازمة السورية التي فقدت اي حل سلمي وعربي ودولي يراهن عليه بسبب النظام واعتماده على القبضة الحديدية الامنية والعسكرية، وبالتالي هذا الحل الذي استخدمه النظام قد شل اي مبادرة تفاوضية، لفرض مصالحه الخاصة على شعبه، لتحسين شروطه في التفاوض، وبالتالي سيعمل الشعب السوري لتحصين وضعه وجبهته لمواجهة النظام وللدفاع عن نفسه، من خلال الاتجاه نحو التطرف السلفي الشعبوي.

العالم بواد والربيع العربي بوادٍ، فلماذا يكون التغيير في بلاد العرب غير طبيعي، فالاسلام ليس بجديد على بلادنا لان عمره اكثر من 1400 سنة، ولكن اسرائيل هي الجديدة، العالم القلق عليها والعدو الحقيقي هي ولا داعي لاختراع عدو وهمي.

الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية سوف تفرض نفسها وتبني انظمة جديدة في الدول العربية، بعيدة عن حماية امن اسرائيل، فالانظمة العربية الفاشلة الحالية هي شريكة في جريمة اغتصاب فلسطين العربية، واسرائيل لن تجد افضل من هذه الانظمة الحاكمة في حماية أمنها لكونها انظمة دكتاتورية وقمعية، لذلك تصر على بقائها واستمراريتها بمساعدة العالم كله.

2/6/2013 – المستقبل

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة