42 views

اللواء إدريس: دور تاريخي أم خيبة أخرى ـ عبدالحميد سليمان

لا يعلم المرء الآن على وجه اليقين، ما يمكن أن يكتبه التاريخ مستقبلاً عن اللواء سليم إدريس، الرجل، وللأمانة لم يبدِ حتى تاريخيه ما يمكن نسبه إلى أقرانه السياسيين في الائتلاف من سلوكياتٍ هوجاء. ذقنه الحليق دائماً، وشارباه السوريان يبعثان في المرء شعوراً غامضاً بالثقة، ربّما لأنّه يشبه السوريين الأوائل، الآباء المؤسسين لهذا الأرخبيل من الهويات المتناقضة الذي ندعوه وطناً، كذلك لهجته الحمصية القريبة، وإصراره الدائم على الظهور ببزته العسكرية، أو حتى بربطة العنق التي صنعتها مدينة حلب مراراً حتى غدت تُنسب لها، يبعثان أيضاً على الراحة، يتمنى المرء حقاً أن يكون الرجل سورياً بقدر ما يبدو عليه.

لا يشكو السوريون على أي حالٍ من قلّة الخيبات التي أصابتهم برجالاتهم، سياسييهم، ومثقفيهم «العضويين، الكلّ رفض التدخل الأجنبي في بداية الأمر، رفضه بعضهم لبواعث عقائديةٍ رثّة، أراد أن يعيد الاعتبار لفلسفته الماركسية أو القومية أو الإسلامية ولو عنى الأمر القتال حتى آخر السوريين، بعضهم لم يبارح تصوّر البعث أو منطلقاته النظرية حول مفاهيم السيادة الوطنية، وبعضهم كان حسن الظن فحسب، لم يتوقع أن تصل الأمور إلى هذا الحد، حُسن الظن في السياسة يدعى في أدبياتها سذاجةً على أي حال، ويقتضي من أصحابه التنحي جانباً بعد أن خاب ظنهم، لكنّ أحداً على ما يبدو لا يتنحى في هذه البلاد.

وأياً يكن، فإنّ اللواء الذي التقى جون ماكين، قد غطّى باتزانه ما دعاه روبرت فورد «حيض» معارضينا العتيدين على ما رشح من توصيف لقائه بهم في اسطنبول، ويبدو أنّه فتح ثغرةً في جدار الثقة أو لنقل اللاثقة مع الغرب، ذاك جدارٌ بنَته النخب السورية بأناةٍ على مدى عقود، وتقع في صلبه الملهاة الفلسطينية العظيمة، «الغرب لا يريد لنا الخير» على ما يقوله لنا مثقفونا العضويون، «ونحن لا نريد له الخير أيضاً» على ما يقوله لنا سلفيونّا، لكنّ أحداً لا يقول لنا كسوريين أنّ بقاءنا اليوم، والسلاح النوعي واللانوعي الذي نحتاجه للدفاع عن قرانا مقرونٌ بثقة الغرب فينا، ثقةٌ لن تتحقق حتى يحدد السوريون ماذا يريدون، وحتى يتفق ما يريدون مع ما يريده الغرب على كل حال.

في قلب هذه المعمعة يقف اللواء المُثقل بموروث عامين مفتوحَين على ثالثٍ من التخبط، وإلى جانبه على ما يبدو… لا أحد!

ولا عجب، فالعموم من السوريين الذين لطالما اُبتلوا بخاصّتهم، يقفون اليوم رغم المآسي عاجزين عن الخروج بخطابٍ موزون يحقق للغرب مصالحه، ويحقق للسوريين الخلاص من هذا الكابوس الذي تمثله عائلة الأسد، ومهما بدا القول فوقياً، فإن هذا ليس دور العموم على أي حال، ولكنّه دور الخاصّة، النخب، المثقفون، السياسيون، وقادة الفكر في الثورة، وهؤلاء على كثرتهم لكلٍ منهم كابوسه الخاص، رؤيته الخاصة للذات، وتحديديه الخاص في ضوئها للعدو، ليس من داعٍ هنا للقول إنّ هؤلاء -أو جلّهم على الأقل- قد حدّد الغرب عدواً أول منذ وقتٍ طويل.

لقد وصلت الدفعة الأولى من الأسلحة «النوعية» على ما قيل، ويحار المرء إلى أين ستمضي الأمور من هنا، ربّما لأنّ الدفعة الثانية «المطلوبة»، ومثلها الثالثة والرابعة وحتى الخامسة لن تأتي ما لم ينجح لواؤنا العزيز في أن يثبت للعالم أن سورية ستكون مكاناً أفضل للغرب من دون الأسد، «تلك الثورات التي لم تغب، منذ يومها الأول، عن ناظريّ، هي ككل الثورات تحمل كثيراً من التردّد. ووجود إسرائيل، واستمرارها، وأمنها ضروراتٌ قطعية إلى درجة لا تسمح لنا، ونحن نلعب بها، أو نستهين بها، أن نعرّضها لأي خطر». هكذا كتب برنارد هنري ليفي، الرجل الذي ساعد النخب الليبية حينها على الخلاص من بؤسٍ عبثيٍ مطلق يدعى عائلة القذافي.

هكذا هي الحياة أيها الأصدقاء، ومثلها الحرية، حُبلى بالخيارات الصعبة، «ليس بمقدور المرء أن يخدم سيديَن» ربّما على اللواء سليم إدريس أن يستذكر هذا القول، أقلّه من حينٍ لآخر، ربّما وهو ينظر في هذا الفيض الذي لا ينتهي من المآسي التي يسببها بقاء الأسد للسوريين، طريقه ليست سهلةً على أي حال، ونخبنا السورية العتيدة ستحرص ألا تكون سهلة، كذلك أمامه ركامٌ عصيٌ على التذليل من الكتائب الإسلامية وغير الإسلامية، والقادة وأنصاف القادة، كل هؤلاء لم يسمعوا على ما يبدو عن تسلسلٍ واضحٍ للقيادة، أو انصياعٍ محدّد للأوامر، «هذه ثورةٌ أناركيةٌ» على ما يحلو لمثقفينا العضويين أن يوصّفوها.

يبقى أن يسأل المرء: هل بمقدور هذا الرجل الحمصي أن يفعل كل هذا؟ هل سيكتب التاريخ عن رجلٍ من مدينة حمص عبر بالسوريين عائداً إلى التاريخ؟ أم أنّها ستكون خيبةً أخرى يُمنى بها السوري الذي أعياه فيض التعب والتهجير والجوع والقتل؟ أسئلةٌ كبيرةٌ يقع على عاتق اللواء وحده أن يجيب عنها، ربّما لأنّه لم يعد لدى السوريين من الرجال من يسألوا عنها سواه.

 5/6/2013-الحياة

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة