44 views

الصندوق الانتخابي.. والتخليط الديمقراطي ـ حسن الصفدي

ما ينبغي إنقاذه في المقام الأول مبدأ الحقيقة،

فالنزعة “الإنكارية” هي العدو الأول.

“جان بودريار”

أولاً صندوق الاقتراع وليس صناديق، لأن المواطن الفرد، ذا الشخصية المصانة بالدستور ووثيقة حقوق الإنسان، يدلي بصوته/ بقناعته في صندوق واحد.

غير أن التربية المديدة عندنا على اضمحلال شخصية الفرد في الجماعة، تلك التربية الموروثة من عصور الجمود الحضاري – وليس الانحطاط – وليست تلكم الأصيلة من الموروث الأصيل التي يزدهي الفرد فيها “كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِيْنْ”، والتي تنظر إلى الجماعة على أنها مجموع أفراد “ولدتهم أمهاتهم أحراراً”. وأن عظمة الجماعة من عظمة أفرادها المنتظمين – لا المطيعين وأحياناً الخانعين – .

الجماعة المجتمعية الفاعلة/ المنتجة ليست مجموعة أشخاص متماثلين كالروبوتات، بل اجتماع أفراد متمايزين توافقوا على العيش سويا، بشروط متفق عليها، حددتها أو تحددها الظروف المحيطة، أو ما يُسمّى البيئة.

إلا أن الجمود الحضاري أتحفنا بمن “يعتقد – يعتقدون” أنه امتلك حقيقة مطلقة – بحسب رؤيته، ومدى استيعابه الشخصيين – لذا فهو يريد تعميم “اعتقاده – اعتقادهم” على الجميع، ومن ثم جعله السائد في الجماعة، بالقوة الغاشمة الضاغطة، وفي الحياة العامة.

من هنا ينجم اللبس في معرفة ما يعنيه “صندوق الاقتراع” بالمعنى الديمقراطي!. ففي مجتمع تربى أفراده على التعبير عن آرائهم وقناعاتهم ومعتقداتهم على ملأ دون وجل، في كل مكان وحيثما كان. عندها يغدو الصندوق معبّراً عن واقع ما يريد الأفراد المصوتون/ المقترعون، بأكثرية سياسية وأقلية سياسية، الأكثرية تؤلف الحكومة/ الوزارة لإدارة أمور البلد وشؤون الناس (وليس تستلم قيادة البلد) والأقلية تراقب وتنتقد أي حيدان.

أما الذين يهتمون بالصناديق – المدعوة: بالعملية الديمقراطية وشتّان – فهم يأبهون لأغلبية عددية يحققونها، ولا يهتمون لغير ذلك. هؤلاء هم أصحاب المآسي الإنسانية ومثالهم الأبرز: الانتخابات التي خاضها هتلر. وكان الديمقراطيون الأوروبيون يقولون دعوه يفشل!!!! ومن ثم كان الفشل من نصيب أوروبا.. وكرر التاريخ نفسه “ملهاة” على رأي ماركس، فها هم الإخوان قد حازوا الأغلبية العددية فعضّوا على الحكم بالنواجذ، ولسان حالهم يقول: يا جبل ما يهزك ريح.. لكن هيهات فمناخات الأيام تغيّرت…

من جانب ثان، هناك من يتحدث عن شدّة التنظيم، وأن الحزب الأقوى تنظيماً يقفز ليغدو أولاً. ومثالها قفزة الحزب البلشفي على الثورة الروسية، والإمساك بزمامها، فالحزب اللينيني مشهود له بصرامة الانضباط، والباقي معلوم. والمثال الثاني الثورة الإيرانية التي ساهم فيها معظم التيارات الحزبية التي كانت موجودة آنذاك، لكن اصطفاف الملالي كان الأكثر إحكاماً، فتمت لهم حيازة الثورة، وتصفية الآخرين. فهل ترى ما حدث في مصر يخرج عن ذلك؟؟!!

المشكلة أن ما جرى، منذ هتلر وما تلا، كان بحجة الإجماع، مع اختلاف الشكل أما المضمون فواحد، تحقيق هدف الوصول إلى السلطة والبقاء فيها بحجة الإجماع.

الصندوق آخر هموم الديمقراطية، فمبدؤها الأصيل: تكافؤ الفرص، لا ينتج نسخاً كربونية في الشكل ببغاوية في العقل، بل يفسح المجال واسعاً أمام الرأي والرأي الآخر ليعبرا عن ذاتيهما دون أي عائق مجتمعي.

أما الاحتجاج بالصناديق والحصول على أغلبية نسبية، لحيازة الجمل بما حمل فهذا من مهازل إعادة التاريخ نفسه مع فوارق جديدة تدخل في عداد المساخر.

6/6/2013 : كلنا شركاء

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة