47 views

تحت القصف: السوريون آلة ضريبية! ـ مروان أبو خالد

النظام يقصف السوريين ويسترد منهم كلفة القصف! (أ ف ب)

جاء إقرار مجلس الشعب مشروع قانون ضريبة “المساهمة الوطنية لإعادة الإعمار” في نهاية حزيران الماضي، ليطلق رصاصة الرحمة على ما تبقى من دخل للمواطن وما تبقى من قوته الشرائية. حيث نص مشروع القانون المقر على إضافة نسبة 5% على الضرائب والرسوم المباشرة المتعلقة بالدخول والأرباح، والضرائب والرسوم غير المباشرة التي تطال السلع والخدمات، وذلك لمدة 3 سنوات. بالإضافة لزيادة بنسبة 10% على ضريبة ريع العقارات ابتداءاً من العام 2014.

وقد جاء القرار المذكور برغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها المواطن السوري منذ عامين، وتحمله لنتائج الحرب التي أشعلها النظام، وسياساته الاقتصادية الفاشلة. حيث ستؤدي هذه الضريبة الجديدة إضافة إلى الضرائب الأخرى التي يدفعها المواطن، إلى انخفاض الطلب على السلع والخدمات بسبب تآكل الدخل، وبالتالي الى استمرار الركود الاقتصادي، والمعاناة الإجتماعية والمعيشية.

ولم تكن هذه الضريبة الجديدة بالمفاجأة، فقد جاءت في سياق النظام الضريبي السائد في سورية والذي يهدف الى تحقيق أهداف مالية فقط تتعلق بزيادة الإيرادات الضريبية للدولة على حساب الأهداف الاقتصادية والاجتماعية. وهذا ما تثبته الإحصائيات، فالإيرادات الضريبية ارتفعت من 174 مليار ليرة سورية عام 2000، إلى حوالي 340 مليار ليرة سورية عام 2008، أي أن حصيلة الإيرادات الضريبية قد تضاعفت 100% تقريباً خلال ثماني سنوات فقط. وقد واكب هذا الارتفاع اعتماد أساليب اللبرلة الاقتصادية عبر الخصخصة، وتخفيض عجز الموازنة العامة للدولة من خلال تقليص الدعم الحكومي لبعض السلع والمنتجات، وزيادة الأعباء الضريبية التي تتحملها الشرائح الاجتماعية الفقيرة مقابل تخفيض الضرائب على الشركات والقطاع الخاص الذي يساهم حسب بعض التقديرات بحوالي 20٪ فقط من إجمالي الضرائب المحصلة.

وعن مبررات القرار المذكور، سارع المسؤولون الحكوميون إلى الإعلان بأن الهدف من هذه الضريبة الجديدة هو انعاش الاقتصاد من خلال تمويل عمليات إعادة الإعمار، وتوفير مصادر مالية جديدة تحتاجها الدولة في ظروف أزمتها الراهنة، لاسيما بعد أن شهد العام 2012 انخفاضاً حاداً في حجم الإيرادات بعد أن بلغت حوالي 162 مليار ليرة سورية، وذلك في تراجع بلغ 60%عن العام 2011 الذي وصلت الإيرادات الضريبية المحصلة خلاله لحوالي 405 مليار ليرة.

ولكن،ألا يوجد خيارات أخرى للحصول على الموارد المالية اللازمة، من دون أن يتحمّل المواطنون لاسيما من الموظفين وأصحاب الدخل المحدود عبء ذلك؟

بالتأكيد يوجد، ففي ظروف الانهيار الاقتصادي كما في الحالة السورية الآن، تلجأ الحكومات عادة لتخفيض الضرائب لا سيما التي تطال الشرائح الاجتماعية محدودة الدخل، وذلك لتنشيط الطلب الفعال وتجاوز مرحلة الركود الاقتصادي. إلا أن الحكومة السورية لا يعنيها مثل هذا الأمر، ولو كان يعنيها حقاً، لعملت على تحصيل إيرادات مالية جديدة من دون تحميل المواطنين أي عبء ضريبي جديد، وذلك من خلال عدة أساليب لعل أبرزها الحد من التهرب الضريبي الذي يصل في سورية الى حوالي 200 مليار ليرة، أي يفوق الحجم الكلي للإيرادات المحصلة في العام 2012، ويتم بمعرفة وتواطؤ الجهات الإدارية المعنية بالتحصيل الضريبي.

وكذلك الأمر، لو عملت الحكومة على تقليص حجم الفساد (في المؤسسات العامة التي تزاول مهامها حتى اللحظة)، الذي يستحوذ وسطياً على 30% من الناتج المحلي الإجمالي أي حوالي 900 مليار ليرة سورية، لاستطاعت توفير إيرادات مالية هائلة تفوق الحجم الكلي للضرائب المحصلة بعدة أضعاف. ولكن بالطبع لا تستطيع الحكومة القيام بذلك، لأن الفاسد لا يصلح نفسه، لاسيما أن عمليات الفساد تتم على المستويات الإدارية العليا، وتطال كافة الهرم المؤسساتي الحكومي.

إضافة الى ذلك، تشير الإحصاءات إلى أن اقتصاد الظل يشكل 40% من حجم الاقتصاد السوري وهو يتوسع في ظل الحرب القائمة، والميزة الأساسية لهذا النوع من الاقتصاد أنه لا يخضع لأي ضريبة كونه لا يمسك دفاتر حساب نظامية، وأنشطته غير مرخصة قانوناً، ومن البديهي أنه لو قامت الحكومة بجهود لتنظيم أنشطة اقتصاد الظل، وتقديم تسهيلات للراغبين في ترخيص أعمالهم، لتم الحصول على إيرادات مالية إضافية، لاسيما أن العديد من الدراسات تشير إلى أن خزينة الدولة تخسر جراء عدم قيامها بتنظيم اقتصاد الظل حوالي 1200 مليار ليرة سورية.

كما وتعتبر سورية من بين أعلى الدول عالمياً في ما يتعلق بهدر الموارد والطاقات، إذ بلغت نسبة الهدر نحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي، وهذا أمر طبيعي نظراً لانخفاض كفاءة الأجهزة الحكومية وممارساتها البيروقراطية، ولو قلصت معدلات الهدر لاستطاعت الدولة توفير مبالغ إضافية كبيرة تعفيها تماماً من فرض ضرائب جديدة تنهك المواطن، وتدخل الاقتصاد في دورة ركود مستمرة.

يبدو أن الحكومة اختارت الطريق الأسهل في زيادة إيراداتها، فمكافحة الفساد ووقف الهدر الحكومي والتهرب الضريبي، مسائل تبدو مستحيلة الحل بالنسبة لآليات عمل النظام الاقتصادي السوري القائم أساساً على وجود هذه الظواهر، وعليه فإن كل الحجج الاقتصادية التي أطلقتها الحكومة لتبرير ضريبة إعادة الإعمار تبدو زائفة تماماً، ولا تعود بأي نفع اقتصادي على البلاد، لأن الهدف الحقيقي من ورائها هو الحاجة لتمويل الحرب، وتحميل المواطن وحده أعباء ما خلفته من خراب ودمار.

 الثلاثاء 09/07/2013, المدن

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة