42 views

في هوية الثورة السورية ـ عمّار ديّوب

يرتبك كثير من المحللين إزاء الثورة السورية، فيكسونها الكثير من الصفات؛ وآخر ما تفتق به دماغ أحد المثقفين في تحليلها، فقال: إنها ثورة إسلامية وطنية؛ طبعاً هذا التعريف متناقض بحد ذاته، فإن كان وطنية، فدلالتها أن جميع أفراد الشعب يشتركون فيها، بغض النظر عن الطائفة والقومية والجنس بل وحتى الطبقة. وإن كانت إسلامية، فهذا يعني أنها ثورة صافية، لم يشارك فيها، مذ بدأت وإلى الآن سوى أفراد ينتمون لطائفة محددة بعينها والمقصود هنا الطائفة السنية.

هذا كلام، يلقى على عواهنه؛ فالثورة السورية، ككل الثورات العربية هي ثورة شعبية وقد جاءت في هذا الإطار بشكل أساسي. وبعد أن نقرّ بذلك، يمكننا أن نبحث عن خصائصها وتمايزاتها، ولكن بالتأكيد ليس وفق الهوية الدينية للثائرين، فهذه هوية أوليّة لكل امرئ بشري على وجه الخليقة، وإنما وفق الأسباب التي تدع شعباً يثور في هذا الوقت، ولا يثور في زمن آخر. ولماذا امتدت الثورة كل هذا الزمن، بينما حُسم الأمر سريعاً في تونس ومصر مثلاً، ولماذا تأخر قطاع شعبي واسع في سوريا عن الاشتراك بالثورة، ولم يكن مقتصراً على أقليات بعينها؛ فالمدن الكبرى دمشق وحلب، لا يمكن لباحث منصف أن يقول إنها فعلاً اشتركت بالثورة.

وبالتالي، هذه الثورة ورغم وطنيتها وشعبيتها، يشوبها الالتباس، وأكثر من يتحيّر بها الطائفيُ، ويريد لها أن تكون على مقاسه العقلي فقط. وحينما نقول وطنية، فلأن أغلبية المدن السورية والقرى شاركت فيها بهذا المقدار أو ذلك، وشعبية، لأن الجسد الأكبر ممن شارك في الثورة هم الأكثر فقراً أو الذين تدهورت أوضاعهم مع سياسات «اللبرلة» التي أطلقها النظام بدءاً من عام 2000 وسمّيت حينها بمرحلة التطوير والتحديث، وسمّي الفريق الذي أشرف على تلك العملية بالفريق الحكومي، وكان من نتائج تلك السياسات تدهور الوضع الاقتصادي بالكامل، حتى بدأت الثورات العربية، فدخلت سوريا، بالثورة وعمّت كل البلاد، وبالتالي شارك بالثورة بالإضافة للمفقرين، فئات من طبقات وسطى وبعض الأثرياء.

ولا شك أن الثورة توسعت وأحيانا شاركت مناطق بأكملها، بكل من فيها بالثورة؛ ولكن ومع استمرار الثورة وطول مدتها، فإن من بقي يقارع النظام ومن دفع فاتورة الدم، هم هؤلاء الفقراء؛ والفقراء بالطبع يؤمنون ويعبدون ربهم ويذهبون للصلاة، ولكن ليس الدافع الديني هو سبب ثورتهم، لا في لحظة بدء الثورة ولا لاحقاً حينما تمّ اللعب بالثورة لأكثر من عامين متتاليين، مما خلق فيها تيارات تجاهر بالطائفية، وأكثر هؤلاء في أوساط التشكيلات المسلحة، بينما بقيت كافة القوى المدنية، وهنا لا نقصد السياسيين السلميين، بل سكان المدن والأرياف، الذين لم يحملوا السلاح؛ نقول بقي هؤلاء ينظرون لأنفسهم كثائرين ضد نظام أمني، وظيفته النهب، وهو يسخر الطائفية، وكل موارد الدولة من أجل تخضيع الناس وإعادتهم إلى الحظيرة التي لطالما سيّجها جيداً وأحكم قبضته على خرفانه فيها بشكل دقيق.

الثورة تطوّرت كثيراً، وحوصرت كثيراً كذلك، وخضعت لكل أشكال التعذيب والقتل والدمار، ولم تقدم لها المساعدات الكافية لصياغة خطها السياسي ورؤاها عن الدولة القادمة، وبذلك تمّ تخضيع تيارات فيها، للقوى السياسية المكرسة أو للإعلام العربي بشكل خاص، وتمّ فرض رؤية طائفية عليها، وتحديداً من جماعة الإخوان المسلمين، وقوى سياسية طائفية أخرى؛ ولم يتوانَ النظام للحظة واحدة ومنذ بداية الثورة عن تطييفها؛ فهو عرف بأنه لا بد أنه خاسرٌ للمعركة، وذلك إن بقيت كما وجهتها الرئيسية، وبالتالي دفعها نحو التطييف ونحو العسكرة. وبالتالي اشتركت عدّة قوى لحرف الثورة عن مسارها الوطني الشعبي العام. في هذه المعمعة تمّ عزل الثورة تقريباً، وقمع النظام بفظاظة كل من ينتمي لأبناء الأقليات، بل إن كثيراً منهم اضطروا إلى ترك قراهم وبلداتهم الصغيرة، بل والبلاد بأكملها وذلك تحت وقع الضغط الأمني المباشر لكي يرحل، وهو ما حصل مع مئات من السوريين، وقد فعل ذلك أيضا مع كل التيارات المدنية، حيث عمد إلى إيداعها السجون، أو دفع عناصرها للهجرة خارج البلاد، وبالتالي إخلاء البلاد من العناصر الأكثر وعياً وثقافة وخبرة سياسية، ومن كافة القوى السياسية ومن كافة الطوائف، وزاد الطين بلة أن المدن الكبرى بقيت إما صامتة تماماً، بسبب عنف النظام اللامتناهي، وإما اصطفت إلى جانب النظام، وإن بصمت وخوف من المستقبل. وهذا التضييق الشامل، داخلياً وخارجياً، هو ما دفع الثورة نحو التسليح، وهنا ازدادت الحاجة للمال، سيما وأن التشكيلات العسكرية قطعت بدخولها معترك الحرب كل صلة لها بالعمل والانتاج، عدا عن بطالتها الرئيسية، وبالتالي أصبحت رهينة لمن يدفع لها مالاً؛ وفي هذا الإطار بدأت تزداد الطائفية، وراحت شعارات طائفية تعلو أكثر فأكثر، وخاصة في إطار الإعلام، وفي جزء كبير من التنسيقيات الإعلامية؛ ولكن ومع كل هذا المناخ، فإن الثورة بقيت منجذبة إلى هويتها الأصلية، باستثناء نقمة جارفة في التخلص من كل من ينتمي لصفوف الأمن والشبيحة بالتحديد، ولكل من قام بضرر بالغ للثوار، ولا سيما المخبرين منهم. هؤلاء لم ترحمهم الثورة.

شدة الحصار الإقليمي على الثورة، وقبل ذلك من النظام ذاته، لم يمنعها من التوسع؛ ورغم المجازر ذات الطابع الطائفي التي قام بها النظام، فإن الثورة توسعت وكادت تقضي على النظام، فكان أن أدخَل الأخيرُ حزبَ الله وكتائب شيعية من العراق وإيران، كمحاولة لحرف الثورة عن جادتها الوطنية، سيما وأن معظم السوريين إما انفضوا عنه، وإما أن معظم من يواليه قتل أو هرب. ورغم الدلالة الطائفية لهذه القوى، فإن الثورة بقيت واعية لمحاولة السلطة توريطها في حرب طائفية، ولم تصبح كما تشتهي السلطة.

الدخول الطائفي على القصير بالتحديد، لم يفتت الثورة، بل فُهِمَ المقصد الطائفي والمتزامن مع إجبار المعارضة للذهاب إلى مؤتمر جنيف، وبالتالي تصوير ما يحدث في سورية على أنها حربٌ طائفية ولا بد من تقاسم سورية؛ إذن الثورة لم تذهب بالاتجاه الطائفي، ومعظم خطابها، وفي كافة المدن، بل والتشكيلات العسكرية، يرفض هذه الصيغة لمستقبل سوريا، وهناك من يعمل بهذا الاتجاه، ولكنهم قلة ومرفوضون، وبالتالي لا تزال الثورة، ورغم الضغوط الكارثية التي تتعرض لها، أقول: لا تزال هويتها الفاعلة وطنية؟مدخل

 

العرب — 10 July 2013

 

 

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة