55 views

طبيعة المسؤولية الأميركية في الأحداث الأخيرة ـ حسن منيمنة

فيما تُوجَّه أصابع الاتهام إلى واشنطن من كل صوب، حول ضلوعها إما في تنصيب «الإخوان المسلمين» في البدء أو في إسقاطهم لاحقاً، أو في هذه وتلك معاً، تنصّل واشنطن من المسؤولية، بناء على التضارب الواضح في الاتهامات، بالتالي جزافيتها وافتقارها إلى المعقولية والدليل، ليس في محله. فالمسؤولية الأميركية في ما يجري في مصر كبيرة، وإن كانت مختلفة بعض الشيء عمّا يجري تصويره عموماً.

سقط في تونس، في إطار الثورة التي أزاحت السلطوية عام ٢٠١١، عشرات من الشهداء. وسقط مئات في ثورة مصر التي جاءت في أعقاب الثورة التونسية… وفي حين تداخلت المواجهات في اليمن وتعددت، فشهداء اليمن لم يتجاوزوا مئات كذلك، فيما عشرات الآلاف سقطوا في ليبيا، ونزيف الثورة السورية تجاوز المئة ألف. وفي حين تُستدعى الاعتبارات المحلية، وهي طبعاً ذات أهمية، لتفسير التباين بين ليبيا وسورية من جهة وسائر التحولات التي شهدت مواجهات في المنطقة من جهة أخرى، لا يمكن إهمال واقع أن الجيوش التي أظهرت مقداراً من الانضباط في التعامل مع شعوبها كانت على ارتباط بالمؤسسة العسكرية الأميركية.

وهذا الانضباط النسبي، وما نتج عنه من تقليص الخسائر في صفوف المدنيين، ناجمان عن عاملين، أحدهما المبادئ العسكرية الأميركية والتي طُبِّقت بنسب متفاوتة في المناهج العسكرية للدول المتآلفة والداعية إلى حماية المدنيين كأولوية ثانية (حماية القوة المسلحة هي الأولوية الأولى)، فيما الآخر هو الحاجة إلى استمرار الدعم من الجانب الأميركي، وهذا مشروط بالرقابة المدنية الأميركية الملتزمة بقطع العون في حال ارتُكبَت تجاوزات. ويمكن من باب الاعتراض على التشخيص حول العامل الأول الإشارة إلى ما يبدو استهتاراً أميركياً بواحاً بحياة المدنيين، في إطار القصف الذي يستهدف أعضاء المنظمات الموسومة بالإرهابية، والذي حصد ولا يزال أعداداً متعاظمة من المدنيين في باكستان وغيرها من الدول. ولكن، لا تناقض هنا، فالمبادئ العسكرية الأميركية التي تقضي بأولوية الحفاظ على أرواح المدنيين لا تشمل تلقائياً مواطني الدول الأخرى.

على أي حال، فالتدريب العسكري وفق البرامج الأميركية والذي تلقته الجهات العسكرية من رتب مختلفة في الدول المتآلفة مع الولايات المتحدة، يدفع باتجاه حماية المواطن، فيما يتبدى بوضوح أن هيبة الدولة وسطوة الحاكم هما الهدف من تطبيق القوة العسكرية في الحالة السورية مثلاً، من دون أن يكون لحياة المواطن وكرامته موقع الأولوية.

والمؤسسة العسكرية المصرية تحديداً، وإن كانت استفادت من الرصيد النظري الأميركي في تطوير مناهجها (على خلاف سائر الأجهزة الأمنية في مصر التي بقيت علاقتها بالمواطن قائمة فعلياً على القهر)، فإن اعتناءها الأساسي في علاقتها مع الولايات المتحدة هو في الحفاظ على أطر التعاون والدعم. وتمكنت هذه المؤسسة المصرية، انطلاقاً من أسس سابقة لعلاقتها بالولايات المتحدة جرى تعزيزها وتفعيلها بفعل هذه العلاقة، من تشكيل هيكلية اقتصادية موازية على مقدار من التميّز عن المؤسسات المدنية، ما أتاح لها تلقائياً هامشاً واسعاً من استقلال القرار. فالحاصل العام لتأثير الولايات المتحدة على الترتيب البنيوي المصري (بل هو ينسحب على كل حالات الدول المتآلفة)، هو تعديل للعلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة السياسية تجاوزاً لتبعية الأولى للثانية نظرياً باتجاه مقدار من الاستقلالية ومقدار من الاستجابة للتأثير الأميركي. وفي حين ينطوي الترتيب البنيوي المهجّن والمستجد على مخاطر واضحة من حيث انفصام السلطة، بل تمكين سلطوية عسكرية (وهو ما حاصل فعلاً في باكستان اليوم، وكان إلى أمد قريب مرضاً مزمناً في تركيا)، فالتبرير لدى الجـهات الـمعنـية بـمتابعة المسألة أميركياً كان أن هذا الترتيب يسمح بـعدم زجّ المؤسسـة العسـكرية بمـفاسـد كـما جـرى فـي ليـبـيا ويـجري في ســوريـة، ثم إن الحالة التركية تكشف أنه ترتيـب بنـيـوي موقـت قابل للتجاوز مع استقرار العملية السياسية.

فهذا الترتيب المهجّن يستعيض عن أحادية مرجعية السلطة الوطنية السياسية، وهي إما قاصرة وإما فاسدة، بموازنة ثلاث مرجعيات، تبقى السلطة الوطنية مبدئياً أولاها، وتضاف إليها التركيبة المؤسساتية بمصالحها الذاتية، والمرجعية الخارجية المفيدة، المتمثلة بالولايات المتحدة، لا سيما مؤسستها العسكرية. ولا بد هنا من التشديد على أن قدرة هذه المرجعية الثالثة على التأثير محدودة، إذ أن المؤسسة العسكرية المصرية كيان سيادي، فالتأثير المذكور هو في واقع الأمر تأثّر طوعي، وليس تبعية وفق المصطلح الذي يستحضره الراغبون في الطعن. فالمسألة في نهاية المطاف مقايضة وتبادل: طرف يوفر الدعم والخبرة، وطرف يضمن الاستقرار بما يضمن مصلحة الطرفين معاً.

إذاً، لماذا تتخلى الولايات المتحدة عن قدرتها على التأثير، وإن تضاءلت؟ ما جرى من مطالبة برحيل الرئيس محمد مرسي قد يكون بالفعل، مصرياً، استعادة للمشروعية الثورية في مرحلة انتقالية لم تنتهِ، لكن فعل العزل بقرار من المؤسسة العسكرية هو انقلاب، وإن جاء استجابة للإرادة الشعبية. وتوصيف الفعل بالانقلاب لا يقف منه تلقائياً موقفاً عدائياً، بل يشير إلى أوجه التباسه، ويحافظ أميركياً على هذه القدرة المحدودة على التأثير.

الرئيس الأميركي باراك أوباما وجّه فريقه إلى عدم استعمال وصف الانقلاب، في سعي مفترض لعدم الانحياز الى طرف أو آخر. بل أن أوباما، وفي سقطة جديدة تضاف إلى سلسلة متواصلة من السقطات، فرّط بالصدقية الأميركية، حين جعل المصطلح ومن خلفه المبدأ محكومَيْن بالمصلحة العابرة، وبدد القدرة الأميركية على التأثير حين أوحى للمؤسسة العسكرية المصرية بأن لا عواقب أميركية لأفعالها. هنا، وليس في مؤامرات لا طاقة للولايات المتحدة على اجتراحها، تكمن مسؤولية أميركية عظيمة في الشأن المصري.

 

الحياة ـ ١٤ يوليو ٢٠١٣

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة