84 views

مصر على مفرق طرق ـ نهلة الشهال

… ومعها، تقف كل المنطقة على المفرق ذاته. فإما إلى الخراب، المزيد منه، بصرف النظر عن الحيثيات والمبررات، وإما اختطاط الصفحة الجديدة المأمولة، ولو بتلمس وتأتأة. وقد يقال ان تلك ليست خيارات، بالمعنى الإرادي والذاتي، وإنما الاتجاه في أحد المسارين تقرره قوة دفع العوامل الكبرى، أو المعطيات كما هي قائمة. صحيح، ولكن…

وبداية، لا يوجد وقوف أبدي على المفرق، ولا حتى طويل الأمد. فالأمر ملح، وربما يتقرر خلال أيام، وفق ما ستكون عليه مجموعة عناصر أساسية تتحرك اليوم: أولاً، ماذا عن وجود مجموعات مسلحة «غامضة»، تارة تقتل كاهناً، وتارة أخرى ضابطاً وجنوداً، وهي في فورة وازدهار حتى أصبحت ارتكاباتها أحداثاً وليس حوادث. قيل إنها محصورة في شبه جزيرة سيناء، تحديداً في مناطق رفح والعريش وسيدي زويد، حيث تختلط المجموعات القبلية المتذمرة من الإهمال التاريخي لها (والاضطهاد)، بمجموعات من مهرّبي كل «الأصناف»، وبـ «القاعدة»، وهو الاسم المختصر للحالة… ولكن يظهر قناصة ومسلحون هنا وهناك، في القاهرة والإسكندرية والإسماعيلية وغيرها، بعضهم يبدو أنه أطلق النار من فوق رؤوس المعتصمين في ميدان رابعة العدوية مطلع الأسبوع الفائت، مستدرجاً رداً نارياً مكثفاً من قوات الجيش أو الشرطة باتجاه الناس، أوقع مجزرة بشعة!

ليس من مصلحة جماعة «الإخوان المسلمين»، حتى في عز ارتباكها أو حنَقها الحاليين، توفير غطاء أو حضن لتلك المجموعات المستعيدة نشاطها، والتي تؤمن بنظرية «إن لم تخرب فلن تعمر»، وبأفكار يقال فيها إنها «جهادية». أما ضد ماذا ومن أجل مَنْ، فالله أعلم.

ثانياً، عدنا إلى الإعلانات الدستورية! وهي هنا، إن لم تكن موصوفة بـ «مُلزِمة» وفق نعت مرسي لإعلانه (هل من إعلان دستوري غير ملزم، أي: يطبق بمزاج مثلاً؟)، فهي لا تقل عجلة وسوء صياغة عن سالفتها. ما معنى «المصادر الكليّة للشرع»، ومن هم «أهل السنّة والجماعة» تحديداً، وكيف يستقيم الأمر مع إزاحة سلطة الأزهر التفسيرية؟ وفي هذه الحالة، هل القضاة هـم المفـسـرون للدين، أم جماعة حزب النور السلفية التي ارتضت أن تحضر المشهد الحالي ليتوازن، فلا يغيب عنه المكون الإسلامي، لكنها كما يبدو تقدّر القيمة الثمينة لاشتراكها فيه وتبتز، وتنوي بيع موقفها بثمن غال، إذ يدغدغ أحلامها أن ترث فضاء «الإخوان»، قائلة في كل مقام إنها حارس الشرع.

يا سلام! من المعلوم مقدار تغلغل «الأجهزة» في صلب التيارات السلفية المصرية، لكن ذلك لا يمثل ضمانة بحال، كما يظن بخفة من يستعجل محو «الإخوان» من الوجود بأي ثمن (ليدفع ثمناً مضاعفاً غداً!). فالتيار الإسلامي قائم حقاً وكبير (جداً! بالإذن ممن يرون أنهم في 3 تموز-يوليو تخلّصوا منه بكل بساطة)، ومن الأجدر بمن يريد هندسة المشهد أن يخطب ود من يمكنه حقاً أن يمثل ذلك التيار في ضمائر الناس المتأثرين به، فيسعى إلى تمثيلهم عبر شخصيات أصيلة، وفي الوقت ذاته عاقلة وتمتلك إدراكاً وطنياً عاماً، كالدكتور عبد المنعم أبو الفتوح وسواه، ممن خبِرهم الشعب المصري طويلاً، ويعرف أنهم ليسوا مجرد أقنعة وأوراق توت، وأن ما يبطنون هو ما يعلنون، وأن محركاتهم سياسية ووطنية.

ثالثاً، هل نرمي الأقباط إلى حضن اليأس مجدداً، نأتي بهم في مشهد 3 تموز كديكور، ثم نقول لهم «آسفين»، ذميين كنتم وستبقون؟ لا بد من إيجاد أرضية وطنية عامة يقف فوقها الجميع، ويرون فيها ما هو أساسي من صورتهم، ويرتضونها لأنفسهم بحق وليس على مضض. وهذا اسمه التوافق الوطني، وهو لا يتحقق بـ «دوزنة» عالِمة للمكونات (يا لبشاعة التعبير!)، بل بتوفير إحساس عام بأن البلد يتيح حاضراً وأفقاً مستقبلياً للجميع، وأنهم فيه أصحاب حقوق غير منقوصة بأي شكل من الأشكال، ولأي حجة.

رابعاً- ولعلها يجب أن تكون أولاً- من الخطير تصوير الصراع كأنه يدور فحسب على العملية السياسية، بما هي ترتيبات الحكم. فالتصورات العامة حول معيشة الناس، حقهم في العمل والخبز والتعليم، والطبابة والنقل، والسكن… حقهم في الأمان والعدل، وصون كرامتهم تحت أي ظرف، حقهم في الرفاه والراحة، وفي أم كلثوم (جديدة!) في فرقة رضا (جديدة)… هو الأصل، ذلك كله ومعاً، وليس الانشغال بترتيبات ميكروسكوبية لمعادلات السلطة. وحسناً فعل «الاتحاد العالمي للنقابات» إذ أصدر بياناً حول «الملايين من فقراء مصر»، ذكّر فيه بالحقوق الاجتماعية والمعيشية للناس، وقال إن «الرأسمالية العالمية المستغلة، وإسرائيل» هما المستفيدان من انزلاق الوضع إلى ما هو عليه… حتى لا يبقى المصرِّحون المعتمدون هم فحسب وزراء خارجية الدول الكبرى! شعار «خبز وحرية وكرامة اجتماعية» هو الأصل، ولا يحق لأحد نسيانه، ليس وفاء للثورة المدهشة التي تمكنت من إزاحة حكم مبارك، بل لأنه الشعار الذي يوفر رضا الناس ويطابق طموحاتهم، أي أنه يمثّل محركهم الأساس، وعليه يلتقي الجميع (ما عدا القلة القليلة المستغلِة).

مفرق الطرق ذاك لا يرحم. فلا يمكن بعد حين الندم على ولوج طريق الخراب، غفلةً أو جهلاً أو استخفافاً أو كيداً أو قصوراً… والعودة عنه. انظروا ما جرى ويجري في سورية، حيث لا ينفع أن يقال كان ينبغي الحذر من الانزلاق إلى كذا وكيت. لا ينفع! وليست الساحة حرة وليس الخيار هيّناً. ففي المجال قوى وسلطات تخطط وتتدبر، وتدفع باتجاه مصالحها. لكننا، وبما أننا إزاء لحظة تاريخية، فأضعف الإيمان القول. ومَنْ يقول اليوم المطلوب باستقامة، ويبلوره ويدافع عنه، سيفاجَأ بسطوة ما يقول، لأن الأرض متعطشة بعد كل العبَث وكل القرف الذي شهدته، ولأن من خاصيات اللحظات التاريخية أنها تتمكن من المعجزات، متجاوزة ضرورات معلومة ومكرورة ببلادة (عن التنظيم الجيد، والبرنامج الواضح، والتحالفات… الخ). ولا بد من لفت الانتباه إلى ظواهر تحمل الأمل في هذا الاتجاه: انظروا مثلاً في البيان المشترك الذي أصدرته بعد يوم على مجزرة رابعة العدوية، خمس عشرة هيئة حقوقية مصرية، كلها أثبتت في الماضي جدارتها، والمعنون: «قبل أن تنزلق البلاد إلى دائرة عـنـف لا تـنـتـهي». عـسـى يغلب هذا الاحتمال على ذاك!

 

الحياة ـ ١٤ يوليو ٢٠١٣

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة