121 views

من قال إننا نكسب حين نخسر أدونيس؟! ـ إبراهيم الجبين

أدونيس يمارس كتمانا واضحا للشهادة

نشرت صحيفة “العرب” بتاريخ 09 /07 / 2013 مقالاً للكاتب السوري نبيل سليمان، جاء بعنوان (صادق جلال العظم وأدونيس: سجال غاضب والشتيمة هي اللوغو)، ولم أجد نفسي متحمساً للرد على تلك المقالة التي أظهرت تلعثم المدافعين عن موقف أدونيس من ثورة الشعب الجليلة، وحاولت استهداف المنطق الذي يسوقه المفكر السوري الكبير صادق جلال العظم، وأنزلته إلى مستوى الشتيمة، كي تخفف حجته، بينما لم تقدّم في طعن العظم أكثر من عبارات من نوع (الكاتب الشامي) و(مهرطق الشام) ولم أعرف ماذا يقدّم أو يؤخر كون العظم شامياً أو لاذقانياً أو حمصياً أوديرياً في موضوع كهذا.

غير أن مقالة سليمان، تدفعك إلى المزيد من التفكير في ما آل إليه المشهد الثقافي السوري ضمن سلسلة الانهيارات السورية المختلفة، فلم يتبق من حامل للجوهر السوري سوى تلك الثقافة التي تنتجها أفراد ُ أو مراكز هنا أو هناك في البقاع السورية المتفرقة، أو في المنافي، وقد كان لأدونيس تأثيره الواسع في العقل، وفي قراءة التاريخ العربي والتراث، ثم النظر من جديد إلى تأسيس حداثة عربية تبني على ذلك التراث، بعد أن تقطع معه، وقد بحثنا عن كتبه في كل مكان قديمها وجديدها، وجلّدناها بأغلفة ثمينة لتكون مراجع لا نملّ من تكرار قراءتها، وكنا نتحمّل في سبيل التعلّم من طريقة أدونيس الحرّة في التفكير، الكثير من الأعراض الجانبية لشخصية أدونيس ذاتها، النبوية، الرسولية، التبشيرية، واللاهثة في الوقت ذاته، إلى الاعتراف الغربي مهما كان الثمن، وبأي صورة كان، في الطريق إلى نوبل التي لم تأت… وربما كانت حسابات أدونيس أنها قد تأتي إذا خالف إرادة شعبه في سوريا واتهم الجماهير في كل الأرياف والمدن السورية بأنها طيور ظلام تخرج من الجوامع!!

بحثت شخصيا كشاعر سوري، عن أدونيس وفيه، وقابلت مراراً أسرته ووالدته (أم علي أدونيس) كما يسميّها الأهالي في جبلة المدينة السورية البحرية الوادعة مسقط رأس أدونيس، وسمعت منها الكثير عن طفلها علي أحمد سعيد وكيف تكوّن وتطوّر، وجلسنا على الأرض في حديقة بيت شيخ جليل تحلّل من كل عقدة تحكم عقل أدونيس، هو الشيخ محمد علي إسبر صاحب المؤلفات النقدية في الفكر النصيري العلوي والعادات والتقاليد وريث أبي ذر الغفاري، والذي دفع ثمناً باهظا لهذا، الكثير من المقاطعة والعدوانية من مجتمعه ومن السلطات، بعدها بسنوات عدتُ إلى دمشق من سفٍر إلى الخليج العربي، وقد زودني أحد الأصدقاء بشريط كاسيت، فيه خطبة جمعة لشيخ كويتي اسمه (أحمد القطان) كال فيها الشتم واللعن لأدونيس واستعمل عبارات جارحة ضدّه وقال إنه ينطبق عليه قول القرآن الكريم(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْشِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْتَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) وكان هذا صادماً لي ومؤذياً لما أتصوره من حد أدنى قد يصل إليه التعاطي مع قامة فكرية وأدبية كأدونيس، وحين وصلت إلى دمشق كان أدونيس يزورها، والتقينا في مقهى الروضة، هو وأنا والصديق الشاعر والمترجم السوري أسامة سعيد ابن شقيق أدونيس وكنا حينها نسكن في بيت واحد في دمر القديمة على الكتف اليسرى لقاسيون، فأخبرته بأن هذا الهجوم الحاد لا يليق به، وأن عليه أن يجد أرضاً مشتركة تخفف حدة الصدام مع المحافظين من الجمهور العربي، ولكن الصادم أكثر كان جواب أدونيس الذي ضحك منتشياً، وقال: ( أنت لا تعرف شيئاً عن أولئك الوهابية.. تصوّر أن لديهم كتباً لا يطلع عليها أحدٌ سوى ابن باز وابن عثيمين وبعض الخاصة) فقلت إنه لا علم لي بهذه الكتب ولا أتوقع وجودها،، وكان هذا آخر عهدي بأدونيس الذي عرفت من تلك اللحظة أنه مسكون بأشباح الماضي الثأرية التي لا تفهم الآخر إلا على أنه مؤامرة، وما تلك المؤامرة إلا حادثة سقيفة بني ساعدة إياها، التي أكثر أدونيس من تحليلها وسردها وجمع رواياتها في أعماله.

ما الذي فعله أدونيس من تحمّل مسؤولياته التاريخية فعلاً كمفكر سوري، أكثر من مخاطبة القاتل (بالسيد الرئيس) في رسالة علنية، شرح له فيها إشكاليات حزب البعث وسواه، ومنحه من السيادة ما يتوجب لشخص مثل أدونيس ألا يفعله، وأهداه اعترافاً برئاسته أولاً.. ثم تالياً… لنناقش ما يحدث في سوريا يا سيادة الرئيس، فلا بأس أن تطلب منه التنحي ولكن بعد أن تمنحه الشرعية، شرعية سيكون من السهل على أدونيس أن يمزجها بعد قليل بمهمة محاربة الظلاميين في سوريا، (السيد الرئيس، التحدي الذي يواجهك مزدوج: هو أولاً أن تمارس نشاطك اليوم، لا بوصفك رئيس حزب، بل بوصفك قبل كل شيء رئيس بلاد وشعب.

“ذهنية التحريم” لصادق جلال العظم على رأس قوائم الكتب الممنوعة في سوريا

ولا بدّ، بوصفك خصوصاً رئيساً منتَخَباً من أن تمهّد لتداول السلطة بموجب اقتراع حرّ بلا شروط مسبقة. لأنّ آلية التداول الحر هي ما يؤكّد شرعية الحكم) فمن أي صندوق اقتراع عرف أدونيس أن بشار الأسد رئيس منتخب ؟!!! أدونيس ذاته الذي بدأ حياته بامتداح رئيس آخر هو شكري القوتلي كما يعلم كثيرون، في زيارته إلى الساحل السوري، وبقصيدة عصماء تظهر مكامن العظمة عند الرئيس ابتداء من اسمه الذي يحمل حروف (القوة) وحصل أدونيس على منحة للدراسة في اللاييك على حساب القوتلي، صنعت مستقبله التالي كاملاً. أما عن المذهبية، فهي ليست أسوأ الاحتمالات في مظاهر أدونيس ، فلا ينفع دفاع خالدة سعيد عن أدونيس في موقفه من ثورة الخميني، ولا يغيّر من كونه قد امتدح الثورة الخمينية بشعر صريح:

تحية لثورة إيران

أفقّ ثورة والطغاة شتات

كيف أروي لإيران حبّي

والذي في زفيري

والذي في شهيقي تعجز عن قوله الكلمات؟

سأغنّي لقمّ لكي تتحول في صبواتي

نار عصف، تطوّف حول الخليج

وأقول: المدى، والنشيج

أرضي العربية –

ها رعدها يتعالى

صاعقاُ

خالقاُ

وحريقا

يرسم المشرق الجديد، ويستشرف الطريقا

شعب إيران يكتب للشرق فاتحة الممكنات

شعب إيران يكتب للغرب

وجهك يا غرب ينهار

وجهك يا غرب مات

شعب إيران شرق تأصّل في أرضنا، ونبيّ

إنه رفضنا المؤسس، ميثاقنا العربيّ .

ذاك الـ (رفض المؤسس) الذي يتباهى به أدونيس، والذي دفع الناقدة السورية خالدة سعيد إلى الذود عنه بالقول إنه لم يتحمّس للثورات المذهبية في التاريخ (أمّا الحركات التي تشكل صلب الموضوع وتمثل ما سماه أدونيس (التحوّل)، فهي ثورة الزنج وثورة القرامطة والتصوّف والفلسفة) لم يدفع ذلك الرفض أدونيس إلى اعتبار الثورة السورية في أيامها الأولى (ثورة زنج العصر الحديث) فالسوريون في عهد الأسدين الأب والابن لم يكونوا أكثر من عبيد ، لطالما نظر إليهم الحكم بأركانه على أنهم ملكية مستباحة، ولا يخفى على أحد اليوم مستوى تلك الاستباحة في النهب والسلب و(سوق السُنّة) الشهير الذي انتشر في أصقاع سوريا والذي يجمع الشبيحة فيه مسروقاتهم ليعيدوا بيعها من جديد بعد كل غزوة على منطقة آمنة ثارت على حكم بشار الأسد، ألم يكن بمقدور أدونيس احتساب ثورة الشعب السوري جزءاً من (التحوّل) التاريخي المعرفي في المنطقة؟!

أما قول نبيل سليمان بأن كتب المفكر صادق العظم كانت متاحة في سوريا وتباع بلا رقابة في المكتبات، فهو غير صحيح، فقد كانت ذهنية التحريم على رأس قوائم الكتب الممنوعة ، وتباع في السوق السوداء للكتاب وعلى بسطات كتب الحلبوني والمنشية القديمة، حيث فتيان دمشقيون من باعة الكتب القديمة، كانوا يأتوننا بنسخ مغلفة وبمواعيد مسبقة من كتب الدكتور العظم، ولم يكن متاحاً في واجهات المكتبات سوى كتابه (الحب والحب العذري) في الوقت الذي كانت كتب أدونيس تباع في كل مكان وفي معارض الكتاب الرسمية.

وكان يدهشنا تعريف دار النشر للأعمال الكاملة لأدونيس على الغلاف الأخير للكتاب حين تقول (استرد أدونيس جنسيته اللبنانية سنة كذا…) وكأن الجنسية السورية كانت مرحلة…. وكما اتهمه الدكتور صادق العظم، من أنه يكيل بمكيالين فعلاً، ويعتمد باطنية فكرية لم تحتج ولا تحتاج اليوم إلى دليل، فأدلتها كثيرة وفيرة وفي شتى الاتجاهات، مذهبية يقول العظم!… لم يخطئ أبداً.

لنستمع إلى هذا الحوار بين نينار إسبر وأبيها أدونيس والمنشور في كتاب نينار إسبر (أحاديث مع والدي أدونيس) الصادر عن (دار الساقي) في بيروت ولندن 2010، بعد أن صدر قبل ذلك بأعوام في العاصمة الفرنسية باريس عن دار (Seuil) المعروفة: نينار: هناك شيء ننسى التنويه به، وهو أننا نعيش في أوروبا، وأنه من الممكن هنا أن نعيش مع شخص ما دون أن نكون متزوجين؛ بل من الممكن أيضا أن يكون لنا أطفال دون أن نكون متزوجين. لكن إذا ما عشت في بلد، لا مكانة فيها للمرأة إذا لم تكن عذراء أو متزوجة أو أم (وأحيانا لا حقوق لهن كما هو الحال في البلدان العربية الإسلامية)! فلا يمكنك حينئذ سوى الزواج، ولا تستطيع حتى أن تتزوج زواجا مدنيا.

أدونيس: بعض الناس بدأوا رغم ذلك بالعيش معا دون زواج؟

نينار: أجل، لحس الحظ؛ لكن متى أرادوا أطفالا، يتوجب عليهم الزواج، وإلا فلن يكون للأطفال أي حقوق مدنية وأي وجود.

دونيس: يمكن اللجوء إلى زواج المتعة كما الحال لدى الشيعة…

نينار: لكن يجب أن يكون المرء شيعيا…

أدونيس: يمكن ادعاء ذلك شكليا، لكن تلك صيغة موجودة…

نينار: أجل، لكن دائما في إطار الدين!

أدونيس لا يعبر عن إعجابه بالمذهب الشيعي، في هذا الموضع وفي ما يتعلق بزواج المتعة والتقية فقط، بل مرات ومرات، وهذا على كل حال لا يضيره ولا ينتقص منه شيئاً، على ألا ينكره ويدّعي غير ذلك، ولكن أحدث ما ابتكر أدونيس من موازين التمييز والتفريط كان في الأيام الماضية في مداراته بجريدة الحياة معلقاً على المتغيرات في مصر، يقول أدونيس: (الطامّة الكبرى هي الاستنجاد بالأجنبيّ من أجل بناء سلطة (وطنيّة) أو (دينيّة)، حتى لو أدّى هذا الاستنجاد إلى تدمير (الوطن) أو تفكيكه) وأي شيء يفعل بشار الأسد سوى الاستنجاد بروسيا وإيران وحزب الله اللبناني ونظيره العراقي والتركي حتى لو أدى هذا الاستنجاد إلى تدمير الوطن وتفكيكه!

أخيراً، من قال إننا نكسب حين نخسر أدونيس؟! …ونخسر المزيد من المشهد السوري الذي ينشطر يوماً بعد يوم في انهيار كبير، فلم يعد أيٌّ من المثقفين السوريين قادراً على القبول بالآخر فعلاً لا تنظيراً، وهو أعجل ما يكون بالتخلص منه، ونبذه بعيداً، فهذا مرتزق وذاك متنفع وذاك طائفي وهذا مرتبط.

هل ينفع دفاع خالدة سعيد عن زوجها أدونيس؟

ولكن ما الذي نجنيه من سيرة أدونيس اليوم؟ الذي كان ينبغي له أن يكون إلى جانب حق شعبه في حربه نحو الحرية والتحوّلات، والذي كان سيمنح أدونيس أكثر من نوبل الأكاديمية… وينصّبه من جديد (عالماً علامة) كما كان يحلو لبعض أبنـاء القرى الساحلية أن يطلقوا عليه، ولكن هـذه المرة كان أدونيس سينصّب تمثال حرية للشعـب السوري كلّه، من قبل المظلومين ذاتهم الذين يطالبهم أدونيس بالخروج من الجامعات وليس من الجوامع… ماذا نجني من غياب أدونيس عن شهادة الحق…؟ سوى أن شخصاً بقامة أدونيس ووعيه، إنما يمارس كتماناً واضحــاً للشهادة، كان الأجــدر به ألا يقترفّــه، وهي جريمــة يحاسبه عليها ليس فقط منتقدو أدونيس ومناؤوه، بل حتى من ينتظرون من أدونيس أن يكون رائداً …كما قدّم نفسه… ولكن الرائد لا يكذب أهله.

العرب — 15 July 2013

 

 

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة