75 views

أسرع طريقة للسرقة في سوريا: زيادة الأجور! ـ عمر قدور

قبل نحو أسبوع من نهاية شهر حزيران/يونيو الماضي أعلن النظام عن زيادة أجور العاملين في القطاع العام. لم يكن الإعلان مفاجئاً إذ سبقته كالعادة إشاعات يروجها أتباعه، وتهدف إلى طمأنة الموالين، الذين بدأت الأزمة الاقتصادية تعصف بهم أسوة بالجميع. كالمعتاد أيضاً ارتفعت أسعار السلع فور الإعلان عن زيادة الأجور، وقبل أن يقبض الموظفون الزيادة المقررة. أي أنهم بدأوا بالدفع فعلاً قبل القبض. أما الليرة السورية فعاودت انخفاضها تجاه العملات الأخرى بوتيرة أسرع جداً من السابق، وبحيث لم يعد ممكناً الحديث عن معدل سعر صرف الليرة مقابل الدولار لمدة تفوق الساعات.

لم تمض سوى أيام قليلة على تنفيذ الزيادة حتى كانت الليرة السورية قد فقدت نصف قيمتها أمام العملات الأخرى، وهذا التدهور الجديد يُضاف أصلاً إلى الانخفاض السابق الذي بدأ تدريجياً مع مستهل الثورة، فالدولار الذي كان يساوي حوالي خمسين ليرة تجاوز حاجز الثلاثمائة ليرة وقت كتابة هذه السطور. مع ذلك، لا يكفي هذا المقياس لرصد التردي الاقتصادي لأوضاع السوريين، ما لم يكن مصحوباً بالمؤشرات الأخرى عن الخراب الكلي، والتي قد يجعل بعضها الانهيار الشامل مسألة وقت ليس إلا.

أغلب الظن أن النظام نفسه غيّر أخيراً من سياسته، ولم يعد يكترث بالتدخل لوقف الخراب، بل من المرجح أنه بات يسهّل هذا الخراب ويدفع حثيثاً باتجاهه، وضمن سياسة هدفها تجويع السوريين بغية تركيعهم. أما أن يكون ما يحدث مؤثراً أيضاً على جمهور الموالاة فلعل هذا آخر ما يكترث به فعلاً، بخاصة بعد أن بدأ بالاعتماد على الميليشيات الأجنبية في حربه على الثورة، إذ لا يخفى أن ميلشيات حزب الله ومرتزقة لواء أبي الفضل العباس، وأيضاً المرتزقة القادمون من جمهوريات سوفيتية سابقة، صار لهم الثقل الأكبر ضمن قوات النظام، يُضاف إليهم الشبيحة المحليون الذين راح طابع الارتزاق يغلب عليهم أيضاً، بعد أن كان الطابع الطائفي هو الغالب لمدة طويلة.

لا بد من الإشارة هنا إلى اطمئنان النظام من جهة جمهور الموالاة، فالانقسام السوري يكاد يكون راسخاً منذ بدء الثورة؛ من يعتمد النظام على موالاتهم لا يزالون في مواقعهم السياسية وليس من المتوقع تغييرها لصالح الثورة، ومن هم ضده من المرجح أن يبقوا كذلك بعد أن سامهم مختلف أصناف القتل والتنكيل. إذاً لن يخسر النظام شيئاً بسياسة الإفقار والتجويع التي راح يعتمدها، وهذه السياسة لن تطال الشبيحة لأنهم يعتمدون أصلاً على السرقة والنهب اللذين باتا عرفاً منذ انتشار ما يُسمى “أسواق السنّة”، حيث يقومون بعد اقتحام الجيش لأية منطقة بنهب كافة الممتلكات العائدة للمدنيين وبيعها في المناطق الموالية أو شبه الموالية. لا يخرج عن ذلك أن زاد النظام في إغراء شبيحته من خلال التلويح بتمليكهم عقارات وأراضي مملوكة أصلاً لسكان بعض المناطق الثائرة، ففي البيضا وبانياس تم تجريد السكان من مستندات ملكيتهم قبل تهجيرهم، وفي حمص أيضاً قامت قوات النظام بإحراق مبنى السجلات العقارية الذي يحتوي على سندات الملكية فيما يُعدّ خطوة نحو تجريد الأهالي من أملاكهم وسرقتها.

غير أن السرقة المعممة والموصوفة هي حقاً في زيادة الأجور الأخيرة، وقد درج النظام على هذه العادة منذ سبعينات القرن الماضي، فكلما تدهور الوضع الاقتصادي لجأ إلى زيادة أجور العاملين في الدولة، في بلد يشكل القطاع العام أكبر خزان لسوق العمل. الزيادة لا تتعلق أساساً بالمطالب الشعبية، أو بالموازنة بين الأسعار والأجور، فعندما لا يريد النظام الزيادة يتذرّع محقاً بأن لا أساس اقتصادياً يمكّنه منها، أما عندما يقرر سرقة ما في جيوب موظفيه فهو يعلن عن زيادة الأجور بصرف النظر عن المبررات السابقة ويقدّم الحدث على أنه مكرمة من رأس النظام، هكذا كأن الأخير يدفع من أمواله الخاصة، ما كان يستدعي من نقابات السلطة وتنظيماتها الرديفة أن ترفع “أسمى آيات الشكر والامتنان” على تلك المكرمة العظيمة؛ نعم كانوا يسمونها “أسمى آيات الشكر والامتنان”.

مع كل زيادة في الأجور يرتفع معدل التضخم ليستهلك الزيادة وقسماً إضافياً من الراتب الذي كان قبلها، لم يعد السوريون بحاجة إلى التفقه في الاقتصاد ليفهموا هذا المغزى لأنهم خبروا تأثير الارتفاع الوهمي في قيمة رواتبهم حيث انخفضت قوتها الشرائية باطراد. المفاجأة تنحصر ربما في قسم من جمهور الموالاة، إذ كانت بعض الشائعات تشير إلى زيادة أكبر من التي حصلوا عليها، أما القسم الآخر منهم فبدا لامبالياً أو متذمّراً. هذه المرة كانت حاجة النظام إلى السرقة مفضوحة جداً، وليس مستبعداً أن تكون قدرته على الاستدانة من الخارج قد تضاءلت إلى أدنى حد، لذا لجأ بشكل مكشوف إلى الاستدانة بالتضخم، أي إلى إرغام الموظفين على تمويل حربه بجزء من مداخيلهم الفقيرة أساساً، ولكي تكتمل المهزلة ترافقت الزيادة بفرض ضريبة قدرها 5 في المئة كرسم لإعادة الإعمار!

الجدير بالذكر أن القطاع العام مشلول بشكل شبه تام في المناطق المحررة، وبنسب متفاوتة في المناطق التي يسيطر عليها النظام، أي أن القطاعات الإنتاجية المملوكة له غير عاملة بغالبيتها، فضلاً عن فقدانه السلع الإستراتيجية، التي كان يحتكرها دائماً، فحقول النفط لم تعد تحت سيطرته، ومحاصيل البلد من الأقطان والقمح لم تعد كذلك أيضاً. ذلك إذا لم نأخذ بالحسبان تدمير قوات النظام للمحاصيل الزراعية في المناطق الثائرة، وهذا نهج صار معتمداً منذ أشهر، يُضاف إليه تطويق المدن بالحواجز التي تمنع على نحو انتقائي حركة السلع بينها، الأمر الذي يُعدّ نوعاً من العقاب الجماعي للمناطق الثائرة أولاً، لكنه يزيد في غلاء الأسعار ويغدو عقاباً جماعياً للسوريين بمختلف مناطقهم.

حال القطاع الخاص بدوره هو الأسوأ، فالنسبة الغالبة من رؤوس الأموال تم تهريبها إلى الخارج، أما الأصول الموجودة في الداخل، أو ما تبقى منها بعد التدمير والنهب، فهي عاطلة عن العمل. رفوف المتاجر لم تعد تتضمن سوى نسبة ضئيلة من السلع التي كانت تحتويها فيما مضى، في دلالة على توقف الإنتاج وأيضاً على عدم القدرة على الاستيراد، أما البضائع القليلة التي تجاوزت صعوبات الإنتاج، والحواجز الأمنية فقد صارت أعز من أن تطالها شريحة كبيرة من المستهلكين.

في الواقع لطالما وصف السوريون النظامَ بالفساد، لكنه ذهب أبعد من توقعاتهم، سواء على صعيد وحشية قواته، أو على صعيد الإقدام على السرقة جهاراً وبلا حدود؛ نظام لا يرأف حتى بمواليه ولا يعفيهم من نهبه وسرقاته، بل يسارع مع أقرب ضائقة له لضمهم إلى قائمة ضحاياه. غير أن أسرع طريقة للسرقة في سوريا هي زيادة الأجور؛ قد يبدو ذلك نوعاً من طرفة، وقد يذكّرنا بقصة لعزيز نيسين عن مزور للعملة، خلاصة القصة أن المزوّر الذي لا يتقن عملاً آخر، ولا يستطيع الكفّ عن التزوير استسلم للشرطة أخيراً بعد أن بدأ يفقد ثروته بفعل المنافسة “غير الشريفة” مع مزور أكبر منه. في قصة نيسين المزور الأكبر كانت الدولة، أما في سوريا فالمزور الأكبر هو النظام؛ هكذا نحن، لا يسعنا حتى القول: إنها الدولة.

 21/7/2013 -المستقبل

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة