139 views

دمشق صرتنا وحبل سرتنا ـ هاني فحص

فصل من الذاكرة

ولم يبق إلا أن ننتظر طائر الفينيق -السوري أصلاً

ينبعث في قاسيون ويحلق فوق الغوطة

أنا عاملي، من عاملة، أو جبل عاملة، أو جبل عامل، مهجر القبيلة العربية اليمنية المتحضرة، التي تشأمت فيمن تشأم من قبائل اليمن بعد سيل العرم –غطفان وغسان ولخم وجذام الخ- واستوطنت عاملة على كتف الجليل، وعبرت الكتف إلى عمق الجليل.. ووصل التداخل إلى حد الالتباس الجميل، فقال المؤرخون العرب، مرة: جبل عاملة جزء من الجليل، ومرة ثانية: جبل الجليل جزء من عاملة، ومرة ثالثة: جبل عاملة وهو جبل الجليل. أي بالمساواة أو المطابقة. وعندما احتل الفرنجة الشام قسموها ونظموها إدارياً فأتبعوا جبل عامل، منبتي، بإمارة القدس، كأنهم قرأوه جيداً، قرأوا استقطابه القدسي، بعدما تمعنوا في جليلية يسوع الملك، واختياره لأرض الآسيين في الجليل، ليكون قريباً من الذين اعتزلوا، احتجاجاً على تحريف اليهودية والمنحي الفرّيسي، ولعل ذاكرته وأفقه العابر للحدود، هو الذي أتى به إلى صور وصيدا ليشفي الكنعانية، التي نبهها إلى أن إيمانها هو الذي شفاها، واضعاً نفسه في خدمة الإيمان، بدلاً من أن يكون الإيمان في خدمته، شأن الأنبياء الكذبة.

أنا عربي مسلم شيعي هاشمي من سلالة الحسين ذي الدمعة بن يحيى الشهيد بن زيد الشهيدين زين العابدين بن الحسين الشهيدين علي وفاطمة، إلى الذروة الباذخة في النبي الأمي العربي، الذي نبهنا مبكراً إلى العروبة الثقافية العابرة للعرق نحو بقية الأعراق، والتي ليست هي بأم ولا أب، وإنما هي عروبة أو عربية اللسان، أي المعرفة.

جئنا إلى سهل حوران من اليمن طلباً للأمان فأمِنّا، ومنه انتقلنا، كأننا لم ننتقل إلى جبل عامل الموصول بالجولان. وبعد الحرب الأولى والتجزئة، صار جبل عامل إدارياً هو جنوب لبنان، بعدما مر بولاية عكا وصفد ودمشق وبيروت، فاستقر في كنف لبنان الكبير.

ولأننا شاميون، لم ندخل سريعاً ولا حتى طوعاً بداية في الكيانية اللبنانية، وقلنا: هي مصطنعة، قاومنا من اصطنعها (الفرنسي) ومن استقبلها، ولكن الاصطناع هو تفسير لكثير من الكيانات في نشأتها، غير أنه لا يكفي لتفسير رسوخها وتطورها. من هنا وبعدما تخطينا لبنان الكيان الوليد عابرين إلى سورية الكبرى بحدودها الطبيعية، كما عبر علماؤنا ووجهاؤنا وزعماؤنا، الذين اجتمعوا في (وادي الحجير) عام 1920م. وأعلنوا رفضهم للتجزئة، وتشبثهم بالوحدة. بعدما تخطينا وأسهمنا في بناء الكيان، قررنا التوفيق العميق بين كيانيتنا أو وطنيتنا اللبنانية، وبين ذاكرتنا وحلمنا الوحدوي، من دون تسرع أو توهم أو مغامرة أو مقامرة، فنمنا على سرير لبنان نرقب شمس العروبة وقمر الشام ونجوم آسيا، مصيخي السمع لنداءات من إفريقيا وتأتينا عبر مصر..كنانة الله وباب الحرمين.. ورسمنا لوحة مشاعرنا بالرمل والثلج، بزهر البرتقال وسُلاف الرطب والتفاح. وتلفعنا عروبتنا على إسلام حضاري إنساني مفتوح على فضاء ابراهيمي رحب. أما تشيعنا فلم يكن إلا مذهباً، اي طريقاً أو طريقة في فهم الإسلام والإلتزام به، فإن أجحف أحد في حقنا، أو شدتنا عصبية أو قطيعة، كان لنا من أئمة أهل البيت وعلمهم وأخلاقهم معتصم من الفرقة والإنشقاق عن السوية وإلزام والتزام بالإندماج والتناصر والشراكة.

لقد أتخذنا التشيع في الإسلام ومنه لا شعبة بل فرعاً بل نهجاً يغلَّب مصلحة الأمة على مصلحة الفئة، مستحضرين التزام علي «لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن جور إلا عليَّ خاصة»، وأولينا الأولوية للدولة، لا للسلطة بلا دولة أيضاً متمثلين بعليّ «لا بد للناس من أمير».

حصلت مشادة بيننا وبين الشيخ ظاهر العمر ثم انهمكنا وإياه بقيادة ناصيف النصار في معركة ضد أحد الظلمة من الولاة (أحمد باشا الجزار) قبل قرنين ونيف من الزمان وانتصرنا معاً، وكنا من قبل ومن بعد قد تعاملنا مع السلطة العثمانية من دون عقد، عارضنا لما فيها من جور، شأن بقية العرب والمسلمين، وعندما طغى الجور وارتفع منسوبه رفعنا من وتيرة معارضتنا وحجمها، دون أن يصب حبنا في طاحونة العدو.. بل كنا إذا ما تصدى الخارج، أي خارج، لهذه السلطة بالعداء والصراع، سرعان ما نتنازل ونأخذ موقعنا في الصف الواحد مقابل الخارج المعتدي، وعلى لساننا وفي الأعماق منا المأثور من قول علي (ع) عندما أشيع في صفين أن جيوش ملك الروم تهاجم أطراف الشام، قال علي (ع): «والله لو فعلها ابن الأصفر – ملك الروم – لوضعت يدي في يد معاوية أو لقاتلت معه».

وفي أواخر القرن التاسع عشر، كان الإرباك قد بلغ غايته في أداء الدولة العثمانية، زمن عبد الحميد، فانعكس ضعفاً وتفككاً وامتد جوراً. وعسفاً يميل البعض إلى التخفيف من مسؤولية عبد الحميد عنه، لكونه وارثاً ومستهدفاً لا مؤسساً مرتكباً فقط، وقد أصابنا في جبل عامل الكثير من الآثار السلبية لهذا الوضع، فكيف تعاطينا معه؟

راينا الغرب وراءه، يريد من ورائه إسقاط الدولة العثمانية، لا عقاباً لها على جور ترتكبه إزاءنا وإزاء الأطراف الأخرى من ديار السلطنة، بل عقاباً على ما حققته وحدة وإن كانت قائمة على التغليب والتهميش، وهنا أجرينا حساباتنا وحكمنا معيار المصلحة والمفسدة، مصلحة الأمة، فكنا مع عبد الحميد، بانين في ذلك أو متزامنين مع موقف ومسعى القائد المجاهد جمال الدين الأفغاني (السني الشيعي معاً بشجاعة وانسجام يغري العقلاء)، الذي رأي الغرب يتوحد ليعد موحداً لعدوانه على الدولة العثمانية مركزاً وأطرافاً.. وكان السيد الأفغاني من قبل يناصب الدولة العداء لاستبدادها وظلمها ويريد أن يسقطها هو، بيده ولحسابه –حسابنا- لا أن يسقطها الغرب بيده ولحسابه أو بيدنا لحسابه , ولملم السيد مبادئه وشرفه وحميته وعلمه ووعيه وذهب إلى الأستانة ليقف إلى جانب عبد الحميد مشيراً ناصحاً كاد أن يثمر لولا أن تدخل الصهاينة والماسونيون والجشع السلطوي الأسري ليحدثوا الشرخ بينه وبين عبد الحميد الذي اقترف خطيئة الغضب على الصهيونية والمعاندة لهرتزل ولم يفرط بفلسطين ولكنه كان مسحوراً بالحفاظ على (تخت) آل عثمان، ما جعله يستنكف عن الإصلاح والدستور.. وقد كان من إنجازات جمال الدين على هذا الطريق ما أحدثه من فتحة واسعة في السد الذي كان قائماً بين الدولة العثمانية وإيران القاجارية باتجاه الوحدة في مواجهة العدوان الغربي، قياساً على التجربة التي تمت بعد محاصرة دمياط من قبل الصليبيين بين الدولة الفاطمية والدولة العباسية ممثلة بالسلطان الشهير نور الدين محمود، وغني عن البيان أن جمال الدين كانت له يد في مصرع ناصر الدين شاه ايران الذي انكفأ في لحظة عن هذا المسار الوحدوي فقتله ميرزا رضا كرماني تلميذ جمال الدين ومريده في المكان نفسه الذي سبق للشاه أن سجن فيه السيد جمال وعذبه في أحدى ضواحي طهران.

هذا ليس حدثاً فرداً في تاريخنا الذي يتعامد فوق الجراح والفوارق والمسافات. بل له جذور وتقاليد سابقة وتجليات متعددة، مضمونها الأساس المصلحة المضبوطة بفقه توحيدي وأخلاقية نبوية إمامية، تعطي الأولوية للخطر الخارجي بما يقتضي ذلك من تعطيل تلك الصراعات الداخلية والمشاحنات.

بعد معركة «جالديران» في الربع الأول من القرن السادس عشر الميلادي، واحتلال تبريز عاصمة السلطنة الصفوية من قبل العثمانيين وهروب الشاه اسماعيل إلى أصفهان، عاد العثمانيون بعد أكثر من قرنين ليجدوا في المصداقية الشيعية في العراق إشكالية لا تحل بالعنف والعداء، وكان لا بد من تعديل في التوجه العثماني في العراق على تعقيدات كثيرة وشائكة، وحصل التعديل فعلاً، وتصدى العلماء لدورهم التوحيدي فكان الشيخ جعفر الكبير –كاشف الغطاء- المرجع الشيعي الأعلى، رسول خير بين الطرفين العثماني والصفوي، لم يرسله أحد، بل ندب نفسه للرسالة، فقرب ما قرب وحلّ ما حلّ من إشكالات ومشكلات ووفر كثيراً من المتاعب والخسائر والدماء والمصالح، وعنه ورث حفيده المرجع الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء هذا الموقف التوحيدي عندما أمّ المصلين المؤتمرين في القدس عام 1936 وهم قادمون من أقطار العالم العربي والاسلامي في مواجهة التحدي والعدوان الصهيوني ومن بعد جاءت مذكرته الشهيرة –الكتاب- (المثل العليا في الاسلام لا في بحمدون) وثيقة ناصعة في مواجهة محاولة الغرب العدوان على الاسلام بتقويض قيمه السياسية التحررية من الداخل.. وقبله وعندما أعلن السلطان محمد رشاد التزامه بالدستور العثماني عام 1909 وعاند السلطان القاجاري محمد علي شاه وتنصل من التزاماته والتزامات أبيه ومنع انعقاد المجلس النيابي المنتخب على أساس الدستور، كتب كبار مجتهدي الشيعة وأساتذة الحوزة الدينية في النجف في العراق رسالتين، الأولى إلى محمد رشاد تسلم عليه بالخلافة العامة بشرط الدستور والديموقراطية، والثانية إلى القاجاري الذي نعتته بالجنون، تهدده بخلعه إذا لم يلتزم بالدستور والديموقراطية وهو الحاكم الشيعي الوحيد في العالم.

وامتدت المواقف والمسالك والمعايير عاملة فاعلة إلى ما بعد سقوط عبد الحميد ووصول الاتحاديين إلى السلطة بما فيهم من سوء وعنصرية وعصبية وماسونية.. وعندما أكل المخلصون الطيبون من المشاركين في المؤتمر العربي الأول في باريس عام 1913 الطعم الاستعماري، توسل الاتحاديون التتريكيون بخصمهم العروبي المسلم الشيعي الصلب عبد الكريم الخليل ليذهب إلى باريس ويقنع المخلصين من المؤتمرين بأن لا يكون الاستقلال الذاتي ليس الا غطاء لنوايا التجزئة والاحتلال، وذهب واقنع وأحدث إرتباكاً في المؤتمر بعدما كان أحد المؤتمرين المسيحيين القادمين من أميركا الجنوبية بصفاء وبُعْد نظر عظيم قد قدم اقتراحاً بإدراج بند الأخطار الخارجية على بلاد الشام على جدول المناقشة فسقط الاقتراح بالأكثرية الساحقة أو الاجماع!! لأنه –حسب التعليل- ما من خطر على بلاد الشام سوى الخطر العثماني! عشية الحرب الأولى؟.

وكانت الحرب، وسقطت السلطة العثمانية التي كنا قد أصبحنا معها كغيرنا، المسلمين لأن عدوها هو الغرب.. (أذكر المرحوم عجاج نويهض عام 1981 وقبل سنة واحدة من وفاته كيف كان يروي لنا ويبكي ذكرياته عن الأمير العظيم شكيب أرسلان وهو يخطب في قرى المتن الاعلى يستحث الأهل على التطوع للدفاع عن الوطن وهو يبكي بكاءً مراً وكيف انه جهز كتيبة قاتل بها في ليبيا..) وبكاها –السلطة العثمانية- عالمنا المرجع التقي نزيل دمشق وعالِمها وحبيبها السيد محسن الأمين بقصيدة طويلة.

وحاولنا إنقاذها في العراق وهي على مشارف السقوط دون حساب للربح والخسارة، في ثورة العشرين التي قادها علماؤنا بنبل وبسالة وشهامة ما زلنا نفتخر بها وسنبقى.

وطوال فترة حكم الاتحاديين كان الشريف حسين، وبسبب صلف الاتحاديين قد وقع في قبضة مكماهون، وكنا في الخط المقابل، إلى أن سقط الاتحاديون، فانفتح باب التناقض والتناحر بين حسين واسرته وبين الغرب، وانكشفت المؤامرة وأصبح الحسين وأسرته، موضوعياً في مواجهة الغرب، وهنا أصبحنا مع الشريف حسين دون تردد لأننا ضد المستعمر لو أن الرجل كان كما قال، وعندما أراد المستعمر أن يدرجنا في مشروع التجزئة بإعطائنا دويلة شيعية في جبل عامل، وأرسل لنا لجنة كينع كراين لتستفتينا -أفتينا قيادة وقاعدة، علماء وزعماء وجمهوراً واسعاً، أفتينا بالوحدة، وعندما اشتدت الوطأة علينا، عقدنا مؤتمر الحجير وطيرنا مذكرتنا من هناك إلى فيصل في دمشق وإلى العالم والتاريخ، على يد العلماء قائلين: ان جبل عامل جزء من سوريا بحدودها الطبيعية، ونكرر هذه الأحداث لنؤكد بأننا استقر وضعنا ووعينا على جدل عميق وحيوي بين الكيانية والشامية أو السورية أو العروبة، فلا استقالة من شيء لخاطر شيء آخر، وإنما هو التوازن بين العام العربي والشامي وبين الخالص اللبناني صيانة لكل منهما بالآخر.

قفزاً على المراحل والعقود والسنوات والأيام والأحداث والتواريخ والمناسبات. من منا لا يذكر فرحنا بالثورة المصرية والجزائرية.. ووو؟

ورحلاتنا أطفالاً على ضيق ذات اليد إلى دمشق للمشاركة في أعراس الوحدة والدبكة على ضفاف بردى والعيون معلقة على شرفة قصر الضيافة و»حموي يا مشمش»! من منا، نحن جيل أطفال الوحدة وفتيانها من لا يقول لزوجته وأطفاله لو مرّ الف مرة على طريق دمشق بيروت هذه ميسلون ويوسف العظمة؟ ويمتد حبل الذكريات؛ سعيد العاص وأحمد مريود وابراهيم هنانو وحسن الجزار وسلطان باشا ووو. إلى آخر الثورةالعربية إلى أدهم وصادق وسليمان النابلسي وسليمان الحلبي وسليمان خاطر وأبو علي أياد وأبو جهاد، الخ.. والله وبالله وتالله لم يكن فرحنا بعبد الناصر فرحاً بالاشتراكية بل كان فرحاً بالوحدة وحسب.. لم تكن علاقتنا بالوحدة مشروطة إلا بشرط العدالة والحرية والديموقراطية.

ومن دمشق صالح العلي والقسام وجول جمال وبدوي الجبل وفارس الخوري كنا ندلف إلى بغداد، من دمشق حبل سرتنا إلى العلم والأدب، من السيدة زينب وحجر بن عدي إلى النجف وكربلاء ومن الحميدية والمسجد الأموي والمعمدان ويوحنا فم الذهب وابن عساكر وابن عربي ونور الدين وصلاح الدين، إلى علي ونهج البلاغة والسبط الشهيد والأحفاد، ونعود مفعمين علماً وأدباً ولغة عربية وقراراً بالجهاد ضد الفرنسيين والصهاينة واحتضان المقاومة الفلسطينية والصبر على الخطأ لأن جبل الجليل شقيق جبلنا ورفيقه إلى الأبد لم يغب عن عيوننا وشوقنا أن نرى القدس من قممه.. ولهجة عراقية ومصطلحات يومية من «الاستكانة»، لكوب الشاي ذي الخصر اللطيف والفم المذهب إلى «النومي بصرة» الحامض العماني إلى المائدة وأصناف الطعام من المسمّى إلى القيمة إلى الفسانجون والقيمر وتشريب الباقلة والرطب العمراني والبرجي إلى المراثي التي تصل بنا إلى آخر الحزن فنفرح ومن فرحنا نقاتل الأعداء من الصهاينة إلى حكام الجور والإستبداد والفساد في كل زمان ومكان.

عندما نفقد أباً عزيزاً نصغي إلى سكينة بنت الحسين في (الحسجة العراقية):

هضيمة يا بويا والله هضيمة / أنا صير من زغري يتيمة

أتاري الأبو يا ناس خيمة / يفيي على بناته وحريمه

وعندما نرى أطفال سوريا مشلخين بقذائف دفعوا ثمنها من ثمن طعامهم وملابسهم وأحلامهم لا يبقى لنا شعر يتسع لقلوبنا المتفجرة وأحزاننا المدلهمة.

ونذهب إلى شعر حزين مفجوع، إلى حزن شعري أكثر عمومية وأليق باستقبال أحزاننا الكونية التي تغرق أرواحنا في بحورها الطامية وأجسادنا، ولكنها لا تغرق أحلامنا بالخبز والحرية والدولة الراعية للتعدد والوحدة المجتمعية ونجد صلاح عبد الصبور في انتظارنا، ونردد معه:

«وثوى في جبهة الأرض الضياء/ومشى الحزن إلى الأكواخ تنين له ألف ذراع/كل دهليز ذراع، من أذان الظهر حتى الليل، يا للله، في نصف نهاره، كل هذي المحن الصماء في نصف نهارة، مذ تدلى راس زهران الوديع؟».

والاسم الرمزي لزهران هو حمزة الخطيب، والاسم الرمزي (لدنشواي) هو درعا.

ويأخذنا صلاح إلى حزنه المعتّق عندما تسكن مآقينا صور المذابح والمجازر واللون الغالب فيها طفولي أبيض داكن دافئ مشرّب بالورديّ والأخضر يشبه لون الحليب الذي يدفق من حبيبات كرز الزبداني أو زيتون يبرود أو أثداء أمهات حمص وأدلب تائهات في الصحارى يسألن الريح والرمال والعقبان عن أطفالهن الرضع أين يرقدون؟ وفي أي قبور ينامون؟ وهل هم ينامون، أم يسهرون لعل فجر حلب ينبلج ويسافرون ليدركوا دمشق من داريا قبل شروق الشمس في مدينة الشمس.. دمشق؟

«فرشت فوق ثراك الطاهر الهُدُبا/فيا دمشق لماذا نبدأ العتبا/حبيبتي أنت فاستلقي كأغنية/على ذراعي ولا تستشعري التعبا».

ويأتي الصدى من قاسيون ذاهباً إلى الغوطة إلى حمورية وبيت نايم:

«أحلم يا دمشق بالرعب في ظلال قاسيون/بالزمن الماضي بلا عيون/بالجسد اليابس، بالمقابر الخرساء».

«يا حبُّ لا.. عفوك يا دمشق/أيتها الخاطئة القديسة الخطايا».

فهل ينقضي حزننا بهذا الحب والشوق وهذا الغضب؟

أبداً، ويصر صلاح على الحضور مدندناً بحزن مصري معتق، ورقرقة نيلية على بلاغة صمت بردى، الألثغ المتأتئ، المخنوق:

«يا صاحبي إني حزين/طلع الصباح فما ابتسمتُ/ولم يُنِرْ وجهي الصباح».

«وأتى المساءْ، والحزن يولد في المساءْ لأنه حزن ضرير».

لماذا، لأن إبلا الشام وأوغاريت الأقدم في العالم وفي الأرضين تؤول إلى خراب، يخربها صبية لعبوا في حواريها، ولكن حجارتها كانت ألين من قلوبهم وعقولهم. ويأتي صوت أمل دنقل، من ألفية القاهرة والخوف عليها، إلى انتفاضة سوريا والحرص عليها من شر كل أعدائها وبعض أصدقائها الظاهرين أو المتربصين. حتى لا تأكل الأخطاء ما تزرع الدماء من حنطة وقطن وياسمين وبيلسان وورد جوري في أحواش القيمرية والشعلان وركن الدين وباب توما واليرموك والحراك والشيخ مسكين وبنّش.

«عندما تهبطين على ساحة القوم لا تبدأي بالسلامْ، فهم الآن يقتسمون صغارك فوق صحاف الطعام؟.

«بعد أن اشعلوا النار في العش والقش والسنبلة، وغداً يذبحونك بحثاً عن الكنز في الحوصلة».

أبداً، أبداً وبعداً لهم وتباً.

«شآم أهلوك أحبابي وموعدنا/أواخر الصيف ان الكرم يُعْتصر

شآم يا ابنة ماضٍ حاضر أبداً/كأنك السيف مجْد القول يختصر»

وقبل الموعد كانت درتنا، درة الشرق جارة الجولان والجليل وجبل عامل مطلاتها على حيفا ويافا والقدس. والأقصى والقيامة والمذود في بيت لحم وغزة هاشم.

«ظمئ الشرق فيا شام اسكبي/واملأي الكاس له حتى الجمام/أهلك التاريخ من فضلتهم/ذكرهم في عروة الدهر وسام «.

«رد لي من صبوتي يا بردى/ذكريات زرن في ليّا قَوام/لحظة ارتاح لنا الحور فلا/غصن إلا شج أو مُستهام/وتهاوى الضوء إلا نجمة/سهرت تطفي أُواماً بأُوامْ/تقف النجمة عن دورتها/عند جفنيك وينهار الظلام/سائلين حين عطرت السلام/كيف غار الورد واعتل الخزام/أنا لو رحت أسترضي الشذا/لانتشى لبنان عطراً يا شآم».

وعندما تضيق بنا السبل والأوطان والسجون والأفكار والضلوع والمشاعر، عندما نشتاق إلى النجف وحواريها والكوفة ونخيلها وبغداد ودجلتها وأبي نواس والكميت ودعبل الخزاعي والحلاج والكرخي وأبي حيان التوحيدي والشريف الرضي والجواهري والرصافي ورفائيل بطي وأنستاس الكرملي ومصظفى جواد وغائب طعمة فرمان والسياب في العراق، وعبد الحسين العبد الله وموسى الزين شرارة وعلي الزين والحوماني وفتى الجبل وجورج جرداق وبولس سلامة ومعروف سعد في جنوب لبنان برّ الشام جبل عامل، أخي الجليل وشقيق الجولان، نصرخ مع مظفر النواب:

يكضن ورد يا ديرتي لحسنك وموتن عالتبن

شوقي الك شوق القطا التايه وموعات الدهن

همِّينه أذوق مّيتك واركض بزخات المزن

دونك يحز بلوزتي الخنجر، عيب أون

واذا ما اشتقنا إلى الأحبة أهلاً وقرىً ومدناً وحاضرة حاضرة، أبداً كدمشق وبغداد قلنا مع مظفر:

من ظني كظك بالحلم عنبر فحت

ردت أجيسك جست روحي وفرفحت

ويفتخر ثلاثة من أولادي الخمسة على أخوتهم بأنهم عاشوا في العراق بعضاً من عمرهم، وتفتخر إحدى ابنتي على الجميع بأنها ولدت في الكوفة، في حي كندة، في حي الكندي والمتنبي على مقربة من الشهيد ميثم التمار الذي صلب على النخلة، ومسجد الكوفة حيث قتل ابن مرجانة علياً (ع)، وقصر الإمارة البائد كغيره من القصور. على مقربة من شط الفرات والكناسة وآثار ديارات النصارى وحيرة المناذرة وبيت علي بن أبي طالب (ع) الذي ما زال قائماً. الستينات كنا نتمشى على الرمل، نطالع شجر العاقول ونبات الحنظل ونقرأ التاريخ في رمل الكوفة.

ذات أصيل رأينا أحد أمراء البيان العربي المرحوم الشيخ أمين الخولي مرتبكاً قرب منزل الإمام علي (ع) قلنا ما بك أيها الأستاذ؟ قال: الولية حتقتل نفسها، وجدناها، الدكتورة عائشة عبد الرحمن–بنت الشاطئ- تمرغ راسها وجبينها في تراب جدران بيت فاطمة الزهراء (ع) وتبكي حتى النشيج، تبكي من الفرات إلى النيل إلى بردى والعاصي والليطاني.

من أحمد شوقي أمير الشعراء العرب (الكردي):

«سلام من صبا بردى أرق/ودمع لا يكفكف يا دمشق/وللحرية الحمراء باب/بكل يدمضرجة يدق».

إلى محمد مهدي الجواهري سلطان الشعر العربي وسيد العمود المعاصر:

«أنا ابن كوفتك الحمراء لي طنب بها وإن طاح من أركانه عَمَدُ»

«جرى ثائراً ماء الفرات فما ونى/عن العزم يوماً موجه المتدافعُ/حرام عليكم وِرده ما تزاحمت/على سفحه تك الوحوش الكوارعُ/كما فرق الشمل المجمع حادث/فقد يجمع الشمل المغرق جامع».

كنا نحب قاسيون لأنه المكان الذي نرى منه لوحة دمشق مكتملة ألواناً وتكاوين وتقاسيم غوطة ومرجة وقلعة. عراقة غابرة، حضارة غابرة، ومستقبل غابر، والغابر في العربية يستعمل في الضدين، أي في الماضي البعيد والآتي البعيد. كالبعث الذي يكون عبثاً ويكون بعثاً وقد مر العبث ولم يبق إلا أن ننتظر طائر الفينيق-السوري أصلاً- ينبعث في قاسيون ويحلق فوق الغوطة، ومن أعاليه يرى كل أهل دمشق ويراه كل أهل دمشق، يا دمشق، يا جـُلَّقـنا، يا دمشقنا» على أمواتك المتناثرين بكل منحدرِ، سلام جال فيه الدمعُ والوجدُ، على المتبدلات لحودُهمْ، والغاديات قبورهم طُرُقا، وطيب رقادهم أرقا يحن إلى النشورِ ويرقب موعد الربِّ».

دمشق:»أسألها، دمشق لا تجيبْ، لا تنقذ الغريب، هل مرّ إن يمرْ، مات بلا صوت هنا أو سرْ».

وبعد أن انكشف له الواقع «الاتحادي» التتريكي تصدر طلائع النضال ضدهم من دون تفريط بقناعة الوحدوية بشرط العدل والحرية للأطراف العربية فكان أول الشهداء

 21/7/2013 -كلنا شركاء

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة