71 views

رسائل سورية ملحّة ـ فايز سارة

يتفق كثيرون على أن القضية السورية تجتاز مرحلة صعبة وحساسة في اللحظة الراهنة. والأساس في هذه اللحظة ثلاثة مظاهر أساسية، أولها استمرار النظام في مسيرة القتل والتدمير وتصعيدها بصورة غير مسبوقة، مستغلاً كل قدراته من جهة ومستعيناً من جهة أخرى بقدرات حلفائه في المستويين الإقليمي والدولي من قوات وسلاح حزب الله والميليشيات العراقية الى قدرات إيران ومساعدات روسيا المتعددة الأوجه. والثاني إصرار السوريين على المضي بالثورة الى نهايتها رغم كل ما لحق بهم من قتل ودمار من قبل النظام وحلفائه، وسعي المعارضة السورية ولا سيما في الائتلاف الوطني الى إجراء تغييرات جوهرية في تركيبها وفي أدائها وعلاقاتها مع الداخل السوري ولا سيما مع الجيش السوري الحر، إضافة الى علاقاتها مع الأطراف الإقليمية والدولية، ويبدو المظهر الثالث مجسداً في التغييرات الجديدة على الساحة الدولية، والتي تشهد مقدمات لتبدل في نظرة وعلاقات بعض الدول بالقضية السورية وبخاصة كل من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية إضافة الى فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة والناتجة أصلاً عن مسارات الدم والدمار في سوريا وتأثيراتها المتصاعدة على المحيط الإقليمي والدولي في ظل إصرار النظام الحاكم في دمشق على المضي في عمليته العسكرية الى النهاية.

وإذا كانت ثورة السوريين في بدايتها عام 2011، قد أرسلت رسائل واضحة وقوية على المستويات المحلية والخارجية باعتبارها ثورة حرية وكرامة وتغيير من أجل بناء نظام ديموقراطي تعددي يوفر العدالة والمساواة لكل السوريين، فإن تطورات عامين ونصف العام من عمر الثورة وما رافقها من أحداث والتباسات، لا تتصل بالثورة وبالسوريين وسياسات النظام وحدهم، وإنما أيضاً بالسياسات الدولية حيال القضية السورية، فإن بعضاً من رسائل الثورة أدت في محيطها الى بعض الالتباس وكثير من سوء الفهم وبعضه مقصود، الأمر الذي بات يتطلب في المرحلة الراهنة إعادة تأكيد مضمون ثورة السوريين في ظل الظروف الصعبة والمعقدة، عبر مجموعة من الرسائل بينها:

– إن ثورة السوريين بأهدافها وغاياتها ما زالت ثورة حرية وكرامة، وأن هدفها الأساسي ما زال بناء نظام ديموقراطي يوفر العدالة والمساواة لكل السوريين، ويضمن مشاركتهم في إقامة النظام، وبناء مستقبل أفضل لكل السوريين، يؤكد حضور ودور دولتهم الايجابي والحضاري في المستويين الإقليمي والدولي.

– وينفي مضمون الرسالة حول طبيعة الثورة السورية، ما يشاع ويجري العمل على ترسيخه من قبل جماعات التطرف من القاعدة وأخواتها ومن بعض وسائل الإعلام ومن النظام في أن ثورة السوريين، ثورة متطرفين ومتشددين، ستؤدي الى قيام “دولة إسلامية” متطرفة، تتقارب أو تتماثل مع مشروع القاعدة أو ما يمثلها، وكل هذا يخالف طبيعة المجتمع السوري والوجه المعتدل للمجتمع وللإسلام السوريين.

– قيام المعارضة بتأكيد محتوى توجهاتها نحو بناء مجتمع تعددي حر لمستقبل سوريا، يضمن وجود ومشاركة كل السوريين بغض النظر عن خلفياتهم الاثنية والدينية والمذهبية في إعادة بناء وتطوير سوريا المستقبل، بما يعنيه ذلك من نبذ للإقصاء والاستبعاد والتهميش المقصود أو غير المقصود، والذي سيؤدي الى نتيجة واحدة في الحالتين، تخالف طبيعة ومحتوى الحياة السورية، التي قامت دائماً على تشارك السوريين في حياتهم الوطنية.

– تأكيد مسعى أدوات الثورة من الحراك المدني والثوري والتشكيلات المسلحة وبخاصة الجيش السوري الحر وقوى المعارضة نحو تعزيز علاقاتها وتوحيد جهودها على الأهداف الأساسية في إسقاط النظام وبالسير نحو الحرية والديموقراطية وبناء نظام ديموقراطي بديل، وأن الجهود متواصلة لتأكيد قيادة سياسية واحدة للثورة وللشعب السوري، وأن هذه المساعي تجد لها سنداً جدياً في توجهات وتأكيدات الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة.

– إبراز أن ثورة السوريين التي انطلقت سلمياً من أجل تحقيق أهدافها في التغيير، لم تكن العسكرة والتسلح والعنف في خياراتها الأساسية، وأن عنف النظام هو من خلق المقاومة المسلحة، التي هي حق مشروع للسوريين في مواجهة نظامهم وأدواته وحلفائه، وهجماتهم بمختلف صنوف الأسلحة على التجمعات السكانية من المدن والقرى، الأمر الذي يتطلب قيام التشكيلات المسلحة للدفاع عن المدنيين والتصدي لهجمات قوات النظام. وهذه التشكيلات المسلحة ينبغي أن تتوحد تحت قيادة الجيش السوري الحر.

– إن الائتلاف الوطني وقوى المعارضة السورية، وإن كانت تؤكد أهداف الثورة وضرورة تحقيقها، فإنها منفتحة على الجهود الدولية الهادفة الى حلول معالجات سياسية للقضية السورية بما يؤمن تحقيق أهداف الثورة وتوفير فواتير الدم والدمار على السوريين، ويعجل بانتهاء المحنة السورية.

إن الهدف الرئيس لمثل هذه الرسائل، هو إعادة إحياء وتطوير خطاب الثورة السورية عبر إعادة تاكيد أهدافها وثوابتها الرئيسية في المستويات الداخلية والخارجية، ثم الذهاب الى الأبعد في تقديم تصورات متطابقة أو متفاعلة مع مضمون أهداف الثورة بالنسبة لما طرأ على أوضاعها من تطورات وتبدلات تعيد وتعزز بناء منظومة الثورة، التي وإن بدأت عفوية ومن دون قيادات متمرسة ومجربة ومن دون رسائل عميقة، فقد بات من الصعب استمرارها على هذا النحو في ظل إصرار النظام على قتل وإعطاب واعتقال ونفي قيادات وكوادر الثورة، وحرف أهدافها وتشويه صورتها في المستويين الداخل والخارجي.

غير أن هذه الرسائل بمحتوياتها ومضامينها، لا يمكن أن تحقق الغاية المرجوة منها، من دون تفاعل ايجابي معها في المستويين الداخلي والخارجي، وفي الأمرين هناك مؤشرات على حاجة المستويين الداخلي والخارجي لمثل هذه الرسائل. ففي المستوى الداخلي تزداد الأوضاع سوءاً في حياة السوريين المقيمين منهم واللاجئين في بلدان الجوار وخصوصاً لجهة الأوضاع الأمنية والمعاشية بكل محتوياتها، وتزداد في صفوفهم المطالبات بضرورة إنهاء المعاناة الإنسانية وتحقيق أهداف الثورة والعودة الى الحياة الطبيعية، وفي المستوى الخارجي، فإن ثمة تخوفات من استمرار مسار الدم والدمار ووصوله الى مستويات تفوق كل ما سبق من جهة، ومخاوف من اندفاع الوضع السوري نحو امتدادات إقليمية من جهة ثانية، وما يمكن أن يفرزه ذلك من ترديات حول موضوعي الهجرة والأمن وكلاهما من انشغالات السياسة الغربية، والأمر في كل الأحوال، ينبغي أن يكون حاضراً ليس في إطلاق الرسائل فقط، وإنما في استلامها، وفي تهيئة ظروف نجاحها لتكون أكثر تأثيراً على الرأي العام وعلى السياسات الإقليمية والدولية بما ينعكس ايجابياً على ثورة السوريين وعلى مجمل القضية السورية.

 27/7/2013 – المستقبل

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة