66 views

ميثاق يوسف ـ عزيز تبسي

 هدم السجن هو المدخل الأكيد للحرية

ونبقى أسرى كلمات وأفعال محددة مسبقاً، باتت منتوج هذه التجربة المستمرة وأسيرتها، كان نمضي قبل الجنازة إلى القتيل القريب جغرافياً، لنقف خلف جثمانه، محاولين إيصال الحياة بعضها أو كلها، إن لم يكن إلى جسده المسجى، المحشوة ثقوبه بالآس والرياحين، فلمن بقي يتنفس من أهله، وإلى الجريح المنتهك جسده بالرصاص أو الشظايا، نطالبه بالنهوض ليرافقنا في الطريق الطويل إلى البيت… لكن ما بقي لنقوله في الحرية بعد مائة ألف معتقل معظمهم لا يعرف له مصير يقيني، وما بقي من كلام لنقول في الحياة بعد أكثر من مائة ألف قتيل وأضعافهم من الجرحى والمعطوبين والفاقدين حواسهم وأطرافهم.. وما بقي لنقول في الوطن، بعد أكثر من ثلاث ملايين مهجر إلى خارجه، ونصف الأهل إستبدلوا مدنهم وأماكن عملهم وسكنهم، ومدن وأحياء وقرى سويت بالأرض… بتنا نخجل من ذكر قضايانا الشخصية وآلام أصدقائنا وأوجاعهم ومكابداتهم، وكأننا نسخر من الأتاوة غير العادلة في إقتسام الموت والجوع والألم، ونحن نصعد معاً شِعاب جبل الحرية… وجعك مزدوج ، حينما تكون قناعاتك العميقة، أي فكرك وخيالك وآمالك الكبيرة أوسع بكثير من الإطار السياسي الذي تعمل به، وهو ليس حذاء ضيقاً لتنضده عن قدميك وتستبدله، أو لتكمل سيرك حافياً، لتلاقي هذا المجد البطولي الآخذ هيئة إنتفاضة شعبية ثورية، لا تريد أخذ البلاد إلى منتهاها، بل إلى بدايتها الحقيقية. من غير المفيد الآن، إمتحان الجلاد، وعصره كليمونة، لإستخراج ماء العدالة اليابس في عروقه منذ ما قبل التاريخ، ومن غير المفيد كذلك، الدخول في متاهة هيلنستية للبحث عن المشتركات بين حفاري القبور والجثث الهامدة، والتنقيب عن فضائل فؤوس الحطابين على علم الزراعة. من كل هذا وسواه لا نتعقب حذاء يوسف عبدلكي المتروك حيث عتبة الأحذية، للإستدلال على موقعه، بل إلى جسده الفارع المنتصب فوق قدمين حافيتين أمام جدارياته الناطقة بهتافات العامة، المحتفلة بأفراحهم المبلسمة بجراحهم، الصاعدة خلف مجدهم وبطولتهم، والرصاص المدفون في لحومهم. هناك يعلو صوت وحيد مكتف بذاته، يرفع الحرية والعدالة إلى مجدها العالي.

عزيز تبسي حلب تموز2013

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة