89 views

يا سادة يا كرام.. كمال جمال بك

كان يا ما كان , يا سادة يا كرام , كان لنا مسرح لخيال الظل … وكان أن نسج أقدم مخايل سوري حكاياتنا الشعبية وراء ستارته , وحاك أحداثها بخيوط شفافة علّق بها الدمى لتغزل على حباله الصوتية الملوَّنة أحداث أهلنا، وتمدّها على بساط ضحكتهم , مجدولة بمرارات كرههم للظلم ومعارضتهم للحاكم الظالم.. فظلَّت صورتنا- في شاشتنا تلك منذ سبعة قرون- مضيئة في قلوبنا , بنور حقيقتها , متوهجة في الذاكرة , بنار زيت قنديل وراء ستارتها..

وطوت القرون مخايلينا والدمى , ولفت الستائر الشهور والأيام , حتى بتنا على عتبة عام يمضي بالتمام , و”مخايل الثورة الأخير” زكي كورديللو , حبيس وراء القضبان في معتقلات النظام .. من دون أن يتمكن الزمان من أن يطوي بساط وجع – ما زال يمده الغياب – أو يقطع حبال انتظار – بقينا نتعلق بها أملا بعودة كل الغائبين- , ونحن نلوب بين وجع وحنين , نلاحق – من قبل ومن بعد – أسماءهم تزدحم في قوائم المعتقلين والمفقودين..

وفي ظل غياب زكي “عراب مسرح خيال الظل السوري الحديث” الذي ورث “كركوزنا وعوازنا” عن عبد الرزاق الذهبي – آخر مخايل سوري – غاب عن العيون ظل دمى بلغت من العمر نصف قرن , بعدما لازمنا أصابعه – منذ عشرين عاما – تحرك خيوطها , وتستنطق ذكريات ترن في الوجدان , بحوارات موجعة حتى الضحك , أو مضحكة حتى البكاء , وفيها حديث من سالف الزمان , وهمس عن حاضر العصر والأوان ..

ووراء شاشة الموت , يحين العرض السوري كل يوم , فلا يكون زكي بيننا مخايلا حاضرا جسدا ليشهد “بالدمى” على حكاية دمنا , بل يحضر بإصرار على هيئة ” طابع من طوابع الثورة السورية”, معلق على رسالة عنوانها ان حكايتنا تليق بها الحرية .

وبعيدا عن خيمة منسية ضمت خيال الظل مع قلوب الناس في زاوية مقهى شعبي , صار لنا منذ سنين , “مخايل رسمي” يحرك الدمى البشرية , وراء شاشة عملاقة رمادية كتيمة , تبتلع ساحة الامويين , لتعيد ماكينتها الاعلامية تدوير صورة ” الأب خالدا, والإبن ملكا متوجا “, من نسيج ” لحمتنا الوطنية المتشظية “, وراء واجهة تلوى في كواليسها أذرع وأعناق إلى أرزاق , لإنتاج بهاء طلته بأصابعنا , وتغليفها بسيلوفان محبتنا، وترويجها بضاعة محلية جاهزة للتصدير, إلى سوق الكساد المحلي ..

وداخل شاشة – كان مأمولا أن تلم مساحات وطن , واختصرت خلال اربعين عاما على قياس مزرعة – صارت صورتنا تلطمنا ونحن فيها قطيع ترفع أذرع خرافه فوق الرؤوس المطأطأة صورة ذئبها, وتهتف ألسنتها مضحية فداء “لراعيها”..وتدندن على وقع أجراس أكباشها الأغاني “لحامي أطفالنا و”ملهم” شبابنا و”حكيم” شيوخنا..

ولما ورث “الوارث” مملكة صمتنا..نزع حكمة أبيه الذي سوَّرها “بحيطان لها آذان”، وعلقها على رماح ” التطوير والتحديث ” ليفقأ بها العيون.. وعلى وعد معلَّق بأمل في ذيل عصا سحرية ضائعة، أغمضت الجموع عن حاجتها للمعرفة – وقد صارت “مزرعتها السعيدة ” بين يدي “حكيم عيونها “، ترن في آذانها أصداء النشيد الجنائزي الرسمي لمكافحة “إرهاب” كان قد ضرب حماة , وأفواهها مكممة برعب أن الحقيقة ما قبل تلال تدمر غير تلك التي ما وراء شمسها..

ومع هبوب نسائم ياسمين تونس , التي لفحت خدود مصر , وقامة ليبيا ، وهزَّت بلح اليمن، اهتزت “صورتنا العربية التاريخية ” كما كانت تحبنا ان نراها “شاشتنا الوطنية”.. حتى جاء أوان قطاف أعناقنا على صفحتها.. فصرنا نتجرَّع منها علقم حكاياتٍ، فيها دهاليز تقبض على الأرواح التوَّاقة للحرية , لتحشرها في أنفاق لا توصل إلا إلى كهوف شكٍّ مُلْتَبس، متقصِّدة أن تخلط الخيط الأبيض لصوت الناس , بالخيط الأسود لباطل رواياتها..

وفي حفلة صباحية كرنفالية احتفاء “بالاستفتاء على الدستور جرت وقائعها داخل ثكنة صناعة الصورة الرسمية السورية , وعد رأس النظام العاملين في خيمته , بامتلاك الفضاء من بعد ابتلاع الارض , فوضع على طريق هذا الوعد ولاية وزارة الاعلام بين يدي عمران الزعبي , ليصير هذا مخايل بلاطه الجديد …

وفي أول لقاء له مع قادة الفضاء الإعلامي للنظام , خلع (احدث مخايل وراء شاشة النظام في عهد الأسد الابن ) روب المحاماة ، وحرص على إطلاق رصاصة من فوهة إبهامه كشارة انطلاق عرض جزء جديد من مسلسل ” قتل جياد الحقيقة ” في ساحات البحث عن حرية لم تر فيها الشاشة الأمنية ,إلا مضمار سباق حي ودموي لعرباتها العسكرية والأمنية.

وبخيوط إيهام , خَبِرها النظام عبر أربعة عقود في”صناعة القتل” نسجت هذه الاجهزة احداث موت معلن ..وغلَّفتها فضائيته بشريط جديد أحمر دوار, ينزف منه دمنا على مدار ساعات تعاقب الليل والنهار..

بين شاشة خيال الظل , وشاشة خيال الدم ,عالمان متباعدان فيهما بحور تفصل بين “مفهوم النجاة من الطوفان القديم” وبين “حاضر الاغراق في الطوفان الجديد”.. ومجرات تباعد بين براءة الأمير الصغير , وبين تورط “الملك الصغير”ونساجي معامل دفاعه في تصنيع بهاء حلته الملكية ,بروايات مكرورة ينسلونها من جلود أجساد”المندسين الأشرار”و” خيوط المؤامرة الكونية” .

لكن ضجيج النول الملكي – على صخبه – لم يستر عري الحقيقة .. (لقد ظل الملك عاريا ).. كما ظل صوت المخايل حاضرا رغم الغياب , يوقظ فينا الحاجة الملحة الى صورتنا وشاشتنا التي نريد , وفيها نبدأ باسم الحرية من جديد : يا سادة ياكرام .. من وراء القضبان , ومن بين شقوق الغرف المظلمة تتسرب شمس الحكاية .. وفي مطلع حكايتنا : لسوريا من غدها حرية تأتي , ولها منا السلام..

 السبت 27/07/2013, المدن

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة