99 views

النكتة السورية: توثيق وانتقام فؤاد حميرة

تتجاوز النكتة السياسية في دوافعها وأهدافها، غاية الإضحاك وإشاعة أجواء المرح والاسترخاء، خصوصاً في مجتمعات تتشابه ظروفها مع ظروف المجتمع السوري، من حيث التفاوت الطبقي والقمع المادي والمعنوي المسلط على الحقوق والحريات. في مثل هذه المجتمعات المكبوتة تصبح النكتة السياسية نوعاً من الانتقام وتتعدّد وظائفها. فهي مثلاً، في أحد معانيها، تأريخ لمرحلة، وتوصيف جمعي لحالة سائدة ممنوع الحديث عنها صراحة، فيتم اللجوء إلى أساليب مواربة وغامضة أحياناً، منها النكتة التي تفنن السوريون في اختراعها انتقاماً من ظروف القمع والاضطهاد ومن مسببيه، وكذلك تفريغاً للكبت المزمن الذي عاشوه طوال عقود.

فالنكتة السياسية قد تكون مرجعاً تاريخياً للباحثين والراغبين في دراسة مرحلة ما، كمرحلة أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات من القرن الماضي في سوريا، حين ذاع صيت رفعت الأسد شقيق الرئيس الراحل حافظ الأسد، كشخصية لها الثقل الأول في البلاد عسكرياً وأمنياً، وعمل عساكره (سرايا الدفاع) على نشر صورته المتسلطة القوية والتي تجاوزت في مهامها ومكانتها الرئيس حافظ الأسد ذاته. تقول النكتة إن الرئيس حافظ كان يقود سيارته في أحد شوارع دمشق، وتجاوز بالخطأ إشارة المرور، فأوقفه الشرطي وطلب أوراقه، ظنّ الأسد أن الشرطي لم يعرفه فقال له: “أنا الرئيس حافظ الأسد يا إبني”. لكن الشرطي لم يأبه لذلك وأصرّ على الأوراق فيما أصرّ الرئيس على تقديم نفسه كشخصية مرعبة ومخيفة باعتباره رئيساً للبلاد. علا صوتاهما فحضر الضابط الذي انتبه للرئيس فامتقع وجهه ذعراً واعتذر من الرئيس وصرفه مباشرة، ثم التفت الضابط نحو الشرطي بنزق وحنق قائلاً: “بدك تخرب بيتنا أنت؟ لك ما بتعرف أنه هاد أخوه لرفعت الأسد؟!”.

طرفة أخرى تتصل بموضوع توثيق السطوة التي بلغها رفعت الأسد في تلك الحقبة، وفرض هيمنته على الشجر والبشر والحجر، فتعدّى نفوذ رفعت السيطرة على الرجال إلى النفوذ والسطوة على نساء المسؤولين (ربما يدخل هذا النوع من النكت في باب التوثيق والانتقام أيضاً). تقول النكتة إن أحد المسؤولين سأل رفعت عن سرّ قدراته في الإيقاع بالنساء، فقال له رفعت إن هناك إشارة ما، يقوم بها مع النسوة فيقعن في غرامه فوراً. وحين عاد المسوؤل متحمساً إلى بيته ليجرّب الإشارة التي أخذها من رفعت حدث التالي: اختبأ المسؤول خلف باب الحمام وحين مرّت زوجته من دون أن تنتبه له، ربّت الزوج على مؤخرتها، فقالت الزوجة بغنج ودلال: “أنت هون يا رفعت؟”… هذا النوع من الطُّرف يؤدي وظيفتين في آن واحد، فهي مع كونها وثيقة، تحمل روحاً انتقامية من صمت المسؤولين على تجاوزات رفعت الأسد ورجاله.

كان الشعب السوري يدرك أن وظيفة رئيس الوزراء، في ظل الحكم الفردي الديكتاتوري لحافظ الأسد، ليست أكثر من “ساق كرسي”، ولذلك انتشرت الطرف التي تتناول هذه الحقيقة وذاعت طيلة فترة حكم الأسد الأب، وكانت تتجدد مع كل إعلان عن حكومة جديدة، منها على سبيل المثال أن حماراً اقترب من موكب رئيس الوزراء عبد الرؤوف الكسم إبان مجازر حماة العام 1982 وسأله بلهفة: “ما الذي يحدث في حماة يا سيادة رئيس الوزراء؟”. فردّ الكسم: “والله متلي متلك.. ما بعرف شي”.

النكتة السياسية انتقام وهمي أيضاً، تفريغ للمكبوت. فحين فرض الكسم ذاته في فترة الثمانينات، إجراءات تقشفية أثقلت كاهل الفئات الفقيرة والمسحوقة والتي كانت تعاني أصلاً من الفقر والفاقة، انتشرت مجموعة من الطرف السياسية التي تتناول الكسم شخصياً ناهيك عن نتائج قراراته وانعكاساتها السلبية على الشعب. منها أن الكسم زار حديقة الحيوان في مصر والتقط صورة مع مجموعة من القرود وأرسل الصورة إلى عائلته وكتب على الصورة مشيراً إلى نفسه لتمييزه عن القرود: “أنا في الصورة رابع واحد على اليمين”… وغيرها الكثير من النكات التي كان للكسم النصيب الأوفر منها بين رؤساء الحكومات المتعاقبة.

من النكت الانتقامية أيضاً، والتي طاولت شخص الرئيس الأسد الأب ذاته، أن رجلاً اعتاد رواية النكت عن الرئيس فاعتقلته المخابرات السورية (لاحظ القدرات الخارقة للمخابرات في اعتقال شخص مجهول الاسم والسكن وكل شيء). اعتقله رجال الأمن وعذبوه، فوعد بعدم تكرار فعلته، إلا أن عاد الرجل إلى عادته في رواية النكت عن الرئيس. فاعتقله رجال الأمن مرة أخرى، فأكد لهم بأنه لا يكره الرئيس وإنما هي عادة لا يستطيع التخلص منها، فطلب منه الأمنيون أن يختتم كل نكتة بجملة “بس الرئيس والحمد لله ما دخله”. وحين خرج الرجل من المعتقل، قال لمجموعة من أصدقائه إن زوجة الرئيس حامل وأردفها بالجملة: “بس الحمد لله.. الرئيس ما دخله”.

النكتة السابقة انتشرت بعد مجازر حماة مطلع الثمانينات.

وشعر السوريون بأن حافظ الأسد لن يموت، خصوصاً أن أعراض المرض تستوطن محياه منذ زمن، حتى أنهم اقتنعوا بأنه خالد في الحكم تحت شعار “قائدنا إلى الأبد، الأمين حافظ الأسد”. فجاءت النكتة لتوثق الشعور العام وتقول: جاء مواطن إلى مفتي سوريا وقال له إنه شاهد المرحوم فريد الأطرش في المنام، يلتقي صدفة بالرئيس حافظ الأسد، وإن فريد أخذ حافظ الأسد وطار به إلى السماء، ففسر له المفتي منامه بأن الله سبحانه وتعالى سيعيد إلينا فريد الأطرش للحياة لننعم بصوته الشجي.

ومع وصول بشار الأسد إلى الحكم، خفتت النكتة السياسية وبات وجودها نادراً، الأرجح لسببين: أولاً، إن المواطن توسّم خيراً ببشار على اعتبار ما سوّق له الإعلام المحلي وحتى العربي بأنه ليبرالي ودرس في أوروبا، وأنه سينقل سوريا إلى عصر جديد من الانفتاح والديموقراطية. والسبب الثاني، وهو الأهم في اعتقادي، أن الناس شعرت ضمنياً بأن هذا الرجل لا يستحق حتى الحديث عنه، إلا أن الأمر لا يخلو من انتشار نكات توثق المرحلة الجديدة من سطو عبر مجلس الشعب وتعديل القوانين والدساتير. فيقال إن بشار توفي فجأة، وكان عمر ابنه ثمانية أشهر، فاجتمع مجلس الشعب وقرّر تعديل الدستور، بحيث يصبح ممكناً لمن عمره ثمانية أشهر وما فوق أن يتسلم منصب رئيس الجمهورية، فخرج الشعب السوري في تظاهرات تأييد لقرار مجلس الشعب وللتعديل الدستوري هاتفاً: “انكغغغ… انكغغغ.. امبوووو!”.

وبانطلاقة الثورة السورية، عادت النكتة السياسية إلى نشاطها، تعويضاً عن القهر، ومواجهةً للكذب الإعلامي المروّج لمقاومة المؤامرة الأميركية-الإسرائيلية، إضافة إلى تجاوزات طالجيش الحر”. وتقول النكتة إن مجموعة من شهداء “الجيش الحر” دخلت الجنة لتفاجأ بوجود شهداء الجيش النظامي، فاستغرب كلا الطرفين وجود الآخر في الجنة، فتساءلوا عن مصير الشعب السوري ليجيب ملاك: إن الشعب السوري ذهب إلى النار… فالجيش الحر يحرر، وجيش النظام يطهّر، والشعب السوري يكفر بالذي خلقكما، فكان مصيره جهنم!

 الجمعة 26/07/2013, لمدن

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة