72 views

عن حمص وشلال الدم والكره وائل السوّاح

 

تعرَّفت في صورة نُشرت أخيراً على “فايسبوك”، بصعوبة، على بقايا منزلي الذي ولدت فيه وعشت طفولتي ومراهقتي فيه. اسم الشارع رسمياً “النادي الحمصي”، لكن أحداً باستثناء سعاة البريد في المدينة لا يعرفه بهذا الاسم، ويفضل الجميع أن يُسمّى شارع “التلة”، ربما لأنه يصعد نحو مائة متر ليهبط بعدها مائة متر أخرى، قبل أن يصب في طريق الشام. على مبعدة من بيتنا يوجد منزل وعيادة الكتور نور الدين الأتاسي رئيس الدولة السورية قبل انقلاب حافظ الأسد عام 1970، وكان يزور مدينته في عطلة نهاية الأسبوع بحراسة جندي أو اثنين. ومن معالمه الأساسية الميتم الإسلامي وحلويات الشعار وبائع الحليب مجو وبائع الفلافل الأشهر في المدينة: الجاجة. عند زاوية الشارع من جهة الشمال كان يقبع محل قصاب يبيع اللحم صباحاً ثم يقدم للنخبة الحمصية مساء الكباب مع كأس من العرق السوري الرائق.

الصورة التي رأيتها على “فايسبوك” تشبه بيتنا وحارتنا، ولكنها لا يمكن أن تكون هي بالفعل. فحجم الدمار والهجران والخذلان الذي تظهره لا يمكن أن يحدث لحارتنا الهادئة المسالمة. لم يكن في الصورة آدمي واحد، أو قط واحد، أو حتى جرذ يتلهى بالتهام النفايات. كان ثمة متاريس من أكياس الرمل والبلوك بناها الجنود لتقطيع أوصال الحارة،، ثم هجروها بعد أن هجرها السكان والقطط والجرذان.

كانت حمص بالنسبة لي كأي مدينة أو قرية بالنسبة لمن ولد فيها. هي الحضن الآمن والدافئ، فيها استطعت دائما أن أجد وجبة وفنجان قهوة في مقهى الفرح بعد الظهر، وزجاجة بيرة في نادي المصفاة مساء. وفيها عثرت دائماً على أمسية شعرية أو معرض رسم أو مسرحية صغيرة. وفي حمص، عندما يهجع المدنيون إلى القيلولة ظهراً، تحلو المشاوير في الحارات الظليلة ويحلو تبادل الرسائل بين العشاق وكتابة القصائد عن الحب والحياة والجمال.

قدمت حمص – قبل دولة الأسد – ثلاثة رؤساء دولة وعشرات الوزراء ومئات الشعراء والفنانين والفلاسقة والمفكرين. من حمص جاء هاشم الأتاسي وعبد السلام عيون السود ووصفي القرنفلي وعبد الظاهر مراد وشاكر الفحام وحافظ الجمالي وأسما الفيصل ورياض الترك. ومن حمص ولدت النكتة اللطيفة التي يتناقلها الحماصنة وغيرهم عن أهل المدينة لإثارة البهجة في النفوس. ومن حمص تأتي أفضل أنواع حلاوة الجبن والبشمينة والشعيبيات.

حمص مدينتي التي كان يدهشني فيها وقوف الضباط والجنود السوريين لتأدية التحية العسكرية لأية جنازة تمر في الطريق. وكان يسحرني كل يوم عند الغروب إنزال العلم السوري عن سارية قيادة موقع حمص.

وحمص أيضاً مدينة أبي الذي كان يرفض أن يقدِّم ساعته في فصل الصيف لأنه يأتي بقرار حكومي. كان يقول إن كل كلمة تقولها حكومة البعث كذبة كبيرة.

وفي الثورة السورية، كانت حمص مختلفة عن مناطق سورية أخرى في أن المشاركين في الثورة كانوا من مختلف الطبقات والفئات والشرائح والطوائف. وكانت أيضاً أسبق من بادر إلى اعتصام في ساحة المدينة الرئيسية، وهو ما انتبه إليه النظام ففرق الحشد بوحشية غيرت مسار الثورة السورية، وأغرقت المدينة بالدم، وجعلت منها عاصمة الثورة السورية. وفي حمص تمَّ خروج أول الأحياء المدنية عن سيطرة الدولة، وتحول حي الخالدية الحمصي إلى رمز للثورة.

هذه المدينة التي عرفتها انتهت.

لقد نجح النظام منذ اليوم الأول للثورة في تصوير الانتفاضة المدنية الديمقراطية على أنها تحرك أصولي إسلامي سنّي يريد القضاء على المكونات الأخرى للمجتمع السوري. واستطاع بذلك أن يقسم المدينة عملياً إلى مدينتين: سنية وعلوية. وساعد النظامَ في مهمته التقدُّمُ المهمُّ للفصائل الإسلامية المتطرفة وسيطرتها على المشهد العام للثورة، وتغاضي الفصائل الأخرى الديمقراطية والعلمانية والمدنية عن هذا التقدم المشبوه بحجة أن عدو النظام صديقي، بغض النظر عمن يكون.

وتوَّج النظام انتصاراته بسحق آخر بقايا المدينة العاصية المستعصية واقتحام حي الخالدية الذي عاش عامين بعيداً عن سلطة النظام الفاسد، من دون شرطة ولا محاكم ولا مخابرات، ولكن من دون جريمة أيضاً. دمَّر النظام المدينة التي باتت خاوية إلا من بضعة أحياء فيها. ولكن الأسوأ من تدمير البنية التحتية وقتل النفس وتهجير السكان هو قتل البنية الإخلاقية للمدينة، وخلق كمٍّ هائل من الكراهية سوف يتجاوز أجيالنا الحالية إلى أجيال كثيرة سوف تأتي وسوف يتعين عليها أن تناضل لكي تتخلص من هذا الكم من الكره.

والمدينة التي أنجبت هاشم الأتاسي ورياض الترك ووصفي القرنفلي ستحتاج الآن إلى عقود لترمم جراحها، وتعود مدينة تشبه نفسها، وليعود ابن المدينة يقول لك عندما يلتقيك: “هل سمعت آخر نكتة؟” ثم يروح يرويها بافتتان، وتغرب أنت في ضحك مديد.

 السبت 10/08/2013,المدن

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة