95 views

هشام القاسم : واشنطن.. ذكرى خيبات مضت وأخرى ستأتي

ليست هذه المرة الأولى التي تخذل فيها الولايات المتحدة الأمريكية حلفاءها، فتاريخ الشرق الأوسط حافل بخيبات الأمل من هذا النوع، حتى أن البعض صاغ نظرية تقول إن “واشنطن تخدم خصومها أكثر بكثير مما تخدم أصدقاءها”.

أنظمة، وحكومات، وحركات، وأحزاب كثيرة عرفت هذه التجارة الرابحة: تجاهر بالعداء لأمريكا فيما هي تتجنب إيذائها في الواقع، بل وتساومها في الخفاء، فتكسب بذلك جماهير واسعة، وتحظى بشرف الممانعة والمقاومة، دون أن تخسر أياً من مصالحها..

أما تلك الأنظمة والحكومات التي تجرأت على إعلان صداقتها للأمريكيين وتحالفها معهم، فقد دفعت أثمان باهظة. خسرت شعبيتها ووصمت بالعمالة، وغالباً ما كانت مصالحها تراق على مذبح المساومات الأمريكية مع الخصوم.

في كتابه (أمة في شقاق) يروي الصحفي الأمريكي جوناثان راندل ماذا فعلت الولايات المتحدة بالأكراد في الثمانينات والتسعينات من القرن المنصرم.. كيف باعتهم الأوهام والوعود الزائفة وجعلتهم يقدمون على مغامرات خطيرة، ليكتشفوا متأخرين أنها كانت تفاوض عليهم مع خصومها، تارة صدام وتارة إيران..

حتى السعودية، حليف واشنطن الأوثق في المنطقة، عرفت مواقف مشابهة، فكانت ضحية للصفقات الأمريكية مع (الأعداء) المعلنين. كانت واشنطن تدق طبول الحرب على إيران، وتقنع السعودية وشركاءها الخليجيين بالاستنفار وتكديس السلاح، فيما هي، في الوقت نفسه، تفاوض إيران عبر قنوات سرية، وتقدم لها التنازلات في العراق ولبنان وفي الملف النووي وفي مياه الخليج نفسها.

ولا يزال الجرح السعودي في لبنان مفتوحاً، إذ كان السعوديون قد تلقوا وعوداً أمريكية مؤكدة بإنهاء النفوذ السوري وتطويق حزب الله، وجعل الحليفين يدفعان الثمن لقاء ما اقترفاه بحق رجل السعودية (رفيق الحريري).. وسرعان ما تغيرت حسابات واشنطن، فنفضت يديها من القضية وتركت الساحة لإيران وحلفائها، ويشاع أن ذلك تم وفق صفقة شملت العراق إلى جانب لبنان..

ولعل اللبنانيين من أصدقاء واشنطن هم الأكثر خبرة بالخذلان الأمريكي، بدءاً من كميل شمعون وانتهاء بوليد جنبلاط، وكلنا يتذكر ماذا حل بالأخير بعد أن راهن على الموقف الأمريكي، إذ كان قد سمع كلاماً حاسماً من بعض الدبلوماسيين الأمريكيين أكدوا فيه أن المعادلة الإقليمية على وشك التغير الجذري وأن اللعبة الإيرانية السورية قد انتهت، فجازف الرجل بمواقف نارية وجاهر بالعداء للنظام السوري وأحرق جميع مراكبه التي كانت تحمله إلى دمشق، لكنه سرعان ما ندم على كل ذلك إثر زيارته المشؤومة إلى الولايات المتحدة، حيث فهم هناك أنه استخدم كورقة ضغط في مساومة صغيرة وحسب.

هل جاء الدور على المعارضة السورية لتدفع الثمن نفسه؟

بعد طول تردد قررت الإدارة الأمريكية التدخل بشكل مباشر في الأزمة السورية، ملوحة بضربة عسكرية من شأنها أن تغير المعادلة على الأرض وتقود إلى حل نهائي وشامل. وقد تلقت المعارضة، ممثلة بالائتلاف الوطني، تأكيدات من واشنطن وحلفائها بأن الضربة حتمية، فانبرى بعض رموز الائتلاف إلى التبشير بالخلاص القريب، بل إنهم راحوا يعدون العدة لمرحلة ما بعد النظام..

وتفيد جميع الإشارات بأن واشنطن كانت في هذه الأثناء تترقب صفقة مع الروس، وبأن الضربة ما كانت إلا مدخلاً لذلك، ووحدهم السذج يصدقون بأن جملة كيري عن تسليم الكيماوي قد جاءت عفو الخاطر. لقد كانت كلمة السر التي تلقفتها موسكو وبنت عليها مبادرتها..

وفجأة عم الابتهاج في العواصم الغربية: باريس، لندن، برلين.. فضلاً عن واشنطن، فقد اعتبرت موافقة النظام السوري على المبادرة الروسية إنجازاً كبيراً، وهكذا اختزلت القضية السورية في موضوع الكيماوي، لتبدو الخلاصة جلية: نتخلص من الكيماوي ونتخلص معه من حرجنا، ثم لتبقى الأمور في سوريا على ما هي عليه.

يعزو الكثيرون هذه (الظاهرة) الأمريكية إلى طبيعة القوى العظمى، فالإمبراطوريات كانت على مر التاريخ تعنى بمصالحها أولاً، مرسخة في العلاقات الدولية هذه القاعدة الذهبية: لا أعداء دائمون ولا أصدقاء دائمون.. يبقى الأصدقاء أصدقاء طالما هم يحققون مصالح الامبراطورية، وإلا فيتم التخلي عنهم ببساطة، وكذلك فالأعداء يبقون أعداء طالما ظلت مصالحهم معاكسة لمصالح الامبراطورية، ولكن في حال تلاقت المصالح فقد يتحولون إلى مفاوضين وشركاء، بل ربما حلفاء..

غير أن هناك لمسة أمريكية إضافية تجلت في البراغماتية الشديدة التي تصل أحياناً إلى درجة الانتهازية.

قدست الامبراطورية البريطانية مصالحها، ولكنها مع ذلك احتفظت بسياسة خارجية مستقرة، بخطوط عريضة واضحة، واستراتيجيات طويلة الأمد، ويقول مؤرخون إن المملكة المتحدة احتفظت بملامح ثابتة في سياستها الخارجية لأربعة قرون متواصلة.. فيما تتبع السياسة الخارجية الأمريكية اليوم نهجاً مختلفاً يقوم على التكتيكات السريعة والاستراتيجيات المحدودة، والخطط المتغيرة، بل والمتقلبة على الدوام..

سادت (الامبراطورية) الأمريكية في النصف الثاني من القرن العشرين وأوائل القرن الواحد والعشرين، عصر الثورات التكنولوجية والفكرية والمفاهيمية المتلاحقة، حيث السرعة تسم كل مناحي الحياة، ولذلك، ربما، اتسمت السياسة الخارجية الأمريكية ببعض السمات الما بعد حداثية: سرعة الحركة، المرونة الشديدة، اللا انتظام، اللا ثبات، اللا استمرارية..

يشكل كل هذا خلفية لسياسة الإدارة الأمريكية الحالية، لكن هناك عناصر أخرى مستجدة، لا بد أن تضاف إلى المشهد:

لقد آمنت إدارة بوش الابن بالتدخل اللا محدود في شؤون العالم، فبعثرت القوة الأمريكية في أماكن قصية من الأرض، وأشعلت حربين يائستين، قبل أن تختتم عهدها بأزمة مالية عالمية، وهذا ما جعل المواطن الأمريكي يشعر بالإنهاك، وكراهية الحروب، والميل نحو شيء من الانكفاء.. هكذا جاء أوباما محمولاً على شعار “سأوقف لكم حروبكم وأهتم أكثر بالبيت الأمريكي الداخلي”. ترافق ذلك مع انتقال الاهتمام الأمريكي الاستراتيجي من الشرق الأوسط إلى المحيط الهادي، حيث التنين الصيني الزاحف والنمور الآسيوية المتحفزة..

ربما هذا هو ما يفسر التردد الأمريكي المحير إزاء سوريا، فمن جهة هناك الرغبة بالانكفاء النسبي والتفرغ للململة ما بعثره بوش، ومن جهة أخرى هناك المسؤوليات المترتبة على الدولة التي لا تزال القوة الأولى في العالم..

أوباما لا يزال يرى أن المخرج من هذا التناقض يكمن في الشراكة مع الروس، وهو الآن في خضم محاولة جديدة في هذا السياق، فهل سيجد المخرج فعلاً؟

علاقة المعارضة السورية بواشنطن صعبة للغاية، فمن المستحيل أن تستطيع وحدها تغيير السياسة الخارجية الأمريكية، ومن المستحيل كذلك أن تيأس منها وتنفض يديها من هذه العلاقة.

وبين هذين المستحيلين تستمر محنة السوريين..
موقع جريدة ” حرية”

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة