90 views

الاتفاق النووي الإيراني في مرحلة اختبارية 14/11/2013

ملخص تنفيذي

لمقال

مهلاً، الاتفاق النووي الإيراني في مرحلة اختبارية

“الاتفاق النووي الإيراني” “اتفاق مرحلي” مدته ستة أشهر. يلي ذلك مفاوضات للوصول إلى “اتفاق نهائي”. وستكون مفاوضات صعبة ومعقدة وطويلة. إن المرحلة الانتقالية فرصة لاختبار النوايا وإثبات المصداقية، ومن الصعب التكهن بحتمية التوصل إلى “اتفاق نهائي” أو باستحالته بشكل مسبق قبل انقضاء المرحلة الانتقالية. ويُفسَّر قبول القيادة الإيرانية الاتفاق المرحلي بسبب ما تعيشه إيران من “أزمة بنيوية عميقة، ومركبة اقتصادية ـ اجتماعية وسياسية وثقافية”. لكن ثقل العقوبات الرئيس لم يُرفع عن كاهل إيران في المرحلة الانتقالية، وسيظل سيفاُ مسلطاً فوق أجواء مفاوضات الاتفاق النهائي القادمة.

ستضع مفاوضات الاتفاق النهائي ونتائجها النظام الإيراني وقيادته الحقيقية أمام استحقاقات مصيرية عاجلاً أم آجلاً. فهل يمكن لإيران أن تفرض نفسها على العالم وتطبع علاقاتها معه، دون أن تتغير أو تغير شيئاً؟ أم أن لديها قناعة جديدة بإمكانية الاحتفاظ بأهدافها الكبرى مع تغيير وسائل وأدوات تحقيقها؟ أم أنها أصبحت مستعدة نتيجة أزمتها لخفض توقعاتها وتقليص حجم وأوزان أهدافها دون التفريط بها كلياً؟ وهي بالتأكيد لن تفرط بأهدافها كلياً.

وهل لدى دول العالم والإقليم قناعة بإمكانية أن تنسلخ إيران عن جلدها؟ أم أنهم يراهنون على قبول إيران بأهداف أصغر تُحقَق بوسائل وأدوات متوافقة مع القوانين والأعراف الدولية؟ وتبقى المساومات حول الحجوم والأوزان. لن يقبل العالم استمرار التهديدات والتدخلات الإيرانية بواسطة الأذرع المسلحة، والخلايا الإرهابية. كما لن تقبل دول الإقليم أدواراً إيرانية على حساب مصالحها وأدوارها. ناهيك عن الرفض المسبق لقنبلة نووية إيرانية من قبل الجميع.

هل يمكن لإيران أن تتخلى عن تلك الأوراق دون حصول صراع على السلطة بين أجنحتها ومراكز قواها. وصراع داخل المجتمع الإيراني، بين الشعب والسلطة. الأمر الذي سيؤثر على إعادة خلق وعي شعبي متجدد. كما سيتيح إمكانية موضوعية لتحرك المجتمع المدني مستقبلاً. يمكن القول، مع شيء من التفاؤل، إن الشعب الإيراني سيستفيد مما يجري بكل الأحوال. كما ستستفيد شعوب الإقليم والعالم.

مهلاً، الاتفاق النووي الإيراني في مرحلة اختبارية

اتسمت معظم التحليلات لطبيعة “الاتفاق النووي الإيراني”، والمواقف منه، وردود الأفعال عليه بالتسرع بإطلاق الأحكام، واستسهال الوصول إلى استنتاجات بعيدة المدى، واستشراف آفاق استراتيجية إن لم نقل تاريخية، وصفقات و”تسويات كبرى”. وظهرت على جبهتي خندق أطراف الاتفاق وحلفائهم حالات متشابهة في الجانبين، ومتناقضة داخل كل جانب. ففي كل طرف نجد الغاضبين والمعارضين والناقدين، كما نجد المؤيدين والمرحبين والمهللين لدرجة إعلان الانتصار.

لا نريد مما تقدم تقزيم هذا الحدث والتقليل من أهميته، وهو الذي يجري في سياق صراع مزمن ومعقد، وفي ظرف دولي وإقليمي ساخن وعلى حافة الانفجار، وبدوافع من مصاعب وأزمات داخلية لدى جميع الأطراف، وإن كان بشكل متفاوت تفاوتاً كبيراً، إذ لا يمكن مقارنة الأزمة الإيرانية البنيوية والمركبة بالمشكلات الداخلية في التحالف الغربي. لقد كان الطرفان مدركيَن لصعوبة الوصول إلى اتفاق نهائي حاسم وواضح، وصعوبة تسويقه لدى الرأي العام الداخلي وإرضاء حلفائهما. فهل من السهل الاتفاق بين “الشيطان الأكبر” و”محور الشر”؟

قبل ساعات من توقيع الاتفاق، وحين كان الناس يتساءلون: هل يتم التوقيع أم لن يتم؟ كان العديد من المراسلين الإعلاميين والخبراء والمراقبين يقولون أنه تم التوافق على “مضمون” الاتفاق ويبحثون عن “صياغة” النص. نعم، النص كان هو المشكلة. هم يبحثون عن “نص” غامض وملتبس قابل لتفسيرات وتأويلات متعددة، كما هي الحال في أغلب الاتفاقات والقرارات الدولية. فكل طرف يحتاج إلى اتفاق قابل للتسويق الداخلي وإرضاء الحلفاء. لم يُنشَر النص بكامل تفاصيله بشكل رسمي. هذا الأمر يتيح لكل طرف أن ينشر ما يناسبه. فالبيت الأبيض أصدر ما أسماه “تصورا مفصّلا” يتضمن جميع نقاط اتفاق الأشهر الستة المتعلق ببرنامج إيران النووي. جاء في هذا التصور، على سبيل المثال: “التزمت إيران بتعليق عمليات التخصيب التي تتجاوز 5 بالمائة، ووفقا لذلك ستعلّق إيران جميع عمليات التخصيب وتفكك كل العمليات والأجهزة الفنية التي هي على علاقة والتي تتطلبها عمليات التخصيب التي تستهدف ما فوق حاجز الخمسة في المئة”. بينما نشرت وكالة أنباء فارس ،ما أسمته، “النص الانجليزي للاتفاق الذي توصّلت إليه إيران مع مجموعة خمسة زائد واحد” وكان نصاً مقتضباً. ومما جاء فيه: “فبالنسبة للبرنامج النووي الإيراني فإنّ أهم نقطة في الاتفاق تتعلّق بالاعتراف بحق إيران في التخصيب وامتلاك دورة الوقود النووي، كما ينص على أنّ أيّ اتفاق بين إيران ومجموعة 5+1 يكون التخصيب جزء(اً) منه”.

 إذاً، بعيداً عن التهويل والتقزيم، الاتفاق النووي الإيراني هام لكنه اتفاق مرحلي مدته ستة أشهر. يلي ذلك مفاوضات للوصول إلى “اتفاق نهائي”. وبالتأكيد ستكون تلك المفاوضات صعبة ومعقدة وطويلة، يقدرها المتفائلون بسنة على أقل تقدير ويراها المتشائمون ربما تمتد أعواماً. وستواجه المفاوضات عقبات وتمر بمنعطفات باتجاه إيجابي حيناً وسلبي أحياناً. لكن قبل الوصول إلى مفاوضات الاتفاق النهائي والدخول فيها ستكون المرحلة الانتقالية فرصة لاختبار النوايا وإثبات المصداقية، وكذلك للتسويات داخل النخب السياسية وللتسويق الشعبي وامتصاص غضب الحلفاء. ومن الصعب التكهن بحتمية التوصل إلى “اتفاق نهائي” أو باستحالته بشكل مسبق قبل انقضاء المرحلة الانتقالية. إضافة إلى أن احتمالية النجاح والفشل تتعدى اختبار النوايا وإرضاء الحلفاء إلى الطبيعة البنيوية الداخلية للنظام الإيراني، وطموح مشروعه الإقليمي. بالمقابل إلى أي مدى تستطيع الدول الغربية ودول الإقليم تلبية الطموح الإيراني وأين يمكن التلاقي بين كل الأطراف؟ في منتصف الطريق أم في ربعه الأول من جهة العالم والإقليم أم في الربع الثالث من الجهة الإيرانية.

إن معادلة متراجحة الاحتمالات والممكنات الإيرانية ليست معلقة في الفراغ، وحلها يكمن في الوقائع الصلبة في الداخل الإيراني. كيف يُفسَّر قبول القيادة الإيرانية الاتفاق المرحلي الحالي بينما رفضت سابقاً ومراراً كل العروض الغربية المقدمة لحلول مشابهة، إن لم نقل أفضل، منذ عام 2004؟ ليس تهويلاً ولا تضخيماً ولا حتى مبالغة القول: إن إيران تعيش “أزمة بنيوية عميقة، ومركبة اقتصادية ـ اجتماعية وسياسية وثقافية”. هذا لا يعني أن النظام الإيراني، بقيادته الحالية، على وشك انهيار سياسي سريع راهن. فقد استطاع النظام التكيف مع أزمته والصمود في وجه منعكساتها بأساليب وأدوات متعددة، بما في ذلك القمع العاري عندما يتطلب الأمر ذلك، كما حدث عام 2009. لكن جمر “الانتفاضة الخضراء” ما يزال متوهجاً تحت رماده.

فعلى الصعيد الاقتصادي، لا يفيد إدعاء إعلام إيران وحلفائه أن العقوبات الاقتصادية ليست من أسباب قبول الاتفاق. وكم تصبح تهويمات بعضهم “كوميديا سوداء” حين يقولون إن الاقتصاد الأميركي هو المتضرر من العقوبات! المؤشرات الاقتصادية ـ الاجتماعية الإيرانية تكفي لتضع حداً لمثل هذا الهذيان. ولمن يريد أن يُوهمنا، إن لم يكن هو المُتوهِم، أن أميريكا والغرب من ورائها رفعوا العقوبات لينعشوا اقتصادياتهم، نسأله ماذا قدم الاتفاق المرحلي لإيران بشأن العقوبات؟ وهل هذا الرفع الجزئي والضئيل والمشروط يستطيع أن ينعش أكبر اقتصادات العالم؟ فما هو بالضبط حجم هذا الرفع وأهميته؟ بسبب غياب ذكر العقوبات في النص المقتضب الذي نشرته”وكالة أنباء فارس” سنلجأ إلى النص الذي نشره البيت الأبيض: “السماح بشراء النفط الإيراني بما يسمح ببقائه في مستوياته الحالية وهي 60 في المئة مقارنة بما كان عليه قبل عامين. وسيتم تحويل أموال عمليات الشراء والتي تبلغ 4.2 مليار دولار على دفعات توافقا مع كيفية تطبيق إيران التزاماتها. إنّ مبلغ 7 مليارات دولار التي ستوفرها عملية تخفيف العقوبات هي جزء من مبلغ 100 مليار دولار لا تتمتع بها إيران بحكم العقوبات. وخلال الشهور الستة المقبلة، لا يمكن السماح بزيادة مبيعات النفط الإيراني.وكذلك لا تستطيع إيران رفع مستوى صادراتها خلال الأشهر الستة القادمة، وهذا يعني أنها ستخسر ما قيمته 30 مليار دولار خلال هذه الفترة، أي خمسة مليارات دولار كل شهر مقارنة مع ما كانت تحصل عليه في عام 2011.خلال فترة الاتفاق سيتم الاستمرار في تعزيز العقوبات ضد إيران بما فيها اتخاذ إجراءات ضدّ من يلتف أو يتهرب من تنفيذ الاتفاق. تستمر العقوبات على البنك المركزي الإيراني وما لا يقل عن 20 بنكا ومؤسسة مالية إيرانية. تستمر العقوبات على نحو 600 شخص ومؤسسة على علاقة ببرنامج إيران النووي وكذلك برنامج صواريخها الباليستية. تستمر العقوبات على عدة قطاعات من الاقتصاد الإيراني ومن ضمنها الشحن، وكذلك على برنامجها العسكري، وكذلك جميع عقوبات مجلس الأمن”. هذا يعني أن ثقل العقوبات الرئيس لم يُرفع عن كاهل إيران في المرحلة الانتقالية، وسيظل سيفاُ مسلطاً فوق أجواء مفاوضات الاتفاق النهائي القادمة، إن عقدت. كما ستستمر الأزمة الاقتصادية ـ الاجتماعية، من بطالة وفقر وتضخم وارتفاع أسعار وتدهور قيمة العملة وضعف الصادرات وتقلص إيرادات الدولة وانخفاض النمو الاقتصادي ومشكلات التحويلات المالية والمصرفية وحتى أزمة البنزين والفروج، وسيرحل حلها إلى ما بعد الاتفاق النهائي، إن تم أخيراً.

لا يقتصر التأزم في الداخل الإيراني على الوضع الاقتصادي. هناك أجيال في إيران ممن أدركهم الوعي أو ولدوا وعاشوا بعد ثورة الخميني، وهم يشكلون غالبية السكان، لا تربطهم أي صلة مُعاشة بأسباب ومبررات الثورة على نظام الشاه. هؤلاء يعانون من غياب الحرية ويتوقون إلى نمط حياة مغاير. وهم يدركون أنهم شعب تاريخي وورثة حضارة عريقة، وأن مجتمعهم يمتلك كل الموارد الطبيعية والبشرية والثقافية لإحداث تنمية شاملة كفيلة بمنحهم حياة حرة كريمة، وتضعهم في مصاف الدول المتطورة. هؤلاء هم من رفعوا في مظاهراتهم عام 2009 شعارات الانسحاب من غزة ولبنان وتركيز الجهود في إيران. هذه الأوضاع الداخلية الإيرانية هي التي جاءت بروحاني إلى الرئاسة. ومع أن حسن روحاني ليس محمد خاتمي فصعوده، أو تصعيده لا فرق، يدل على إدراك القيادة العليا لمدى قوة السخط الشعبي ومشروعية طموحات هذا الشعب.

إن سياسة روحاني الخارجية، ومن ضمنها الملف النووي، تضع النظام الإيراني وقيادته الحقيقية أمام استحقاقات مصيرية عاجلاً أم آجلاً. فمستقبل مفاوضات الاتفاق النهائي ونتائجها ستكشف الوجهة الحقيقية لأشرعة الاستراتيجية الإيرانية. لقد بدأ الإبحار، لن يكون امتحان صدقية النوايا الإيرانية سريعاً وسهلاً وبسيطاً، سيمر باختبارات متتالية ولمدة ليست قصيرة. الاختبار الأول فوري ومباشر وزمنه محدد، ستة أشهر، لكنه ليس حاسماً. ويُرجَح أن تنفّذ إيران التزاماتها في المرحلة الانتقالية حسب ما جاء في الاتفاق، فوفق النص الذي نشره البيت الأبيض: “سيتم الاستمرار في تعزيز العقوبات ضد إيران بما فيها اتخاذ إجراءات ضدّ من يلتف أو يتهرب من تنفيذ الاتفاق”.

أما الاختبار الثاني سيطول مع أنه بدأ هو الآخر، فالاتفاق المرحلي لم يُبقِ على جل العقوبات الاقتصادية وحسب وإنما على العقوبات الأخرى أيضاً. فحسب نص البيت الأبيض: “تستمر أيضا جميع العقوبات الأميركية المتخذة في شأن إيران والتي هي على علاقة بدعم الإرهاب ولعب دور سلبي في النزاع السوري وسجلها في حقوق الإنسان”. وخارج نص الاتفاق ما تزال واشنطن تكرر أن الدبلوماسية مع إيران يجب أن تكون مدعومة بالقدرة العسكرية. وإذا كان الاختبار الأول ينحصر بالملف النووي وتقنياته، فإن الاختبار الثاني يشمل بالإضافة للملف النووي مجمل السياسة الخارجية الإيرانية، وعلاقاتها الدولية والإقليمية بوجوهها المختلفة، السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية. كما أن هذا الاختبار الطويل متعدد المراحل ومتنوع المسارات. لذلك ستأتي نتائجه تباعاً وتحسم نتيجته النهائية مع نهاية مفاوضات الاتفاق النهائي ونتائجها. علماً أن نتيجة المفاوضات متعلقة هي الأخرى، وبالدرجة الأولى، بنتائج مراحل ومسارات الاختبار، فالعلاقة تبادلية وتفاعلية.

من الأفضل، بل من الصواب، في هذا الوقت المبكر، وقت الخطوات الأولى من مسيرة الألف ميل كما يُقال، طرح التساؤلات وتقليبها على وجوهها بدلاً من لعبة رسم الاحتمالات وأرجحياتها النظرية. وبعيداً عن التكهنات المتسرعة، والتأثر بادعاءات الأطراف الانتصار وهزيمة الآخر. لأننا لا نستطيع الجزم، أو عكسه، في ما إذا كانت إيران صادقة النوايا، ولا تريد الدخول في لعبة علاقات عامة. لكسب المزيد من الوقت وترحيل الاستحقاقات التاريخية المترتبة عليها إلى أمد غير منظور. تصبح الأسئلة مطروحة على جميع الأطراف:

ـ إلى أي مدى تتملك إيران قناعة يقينية بأنها تستطيع أن تفرض نفسها على العالم وتطبع علاقاتها معه، دون أن تتغير أو تغير شيئاً؟ أم أن لديها قناعة جديدة بإمكانية الاحتفاظ بأهدافها الكبرى مع تغيير وسائل وأدوات تحقيقها؟ أم أنها أصبحت مستعدة نتيجة أزمتها لخفض توقعاتها وتقليص حجم وأوزان أهدافها دون التفريط بها كلياً؟ وهي بالتأكيد لن تفرط بأهدافها كلياً.

ـ إلى أي مدى لدى دول العالم والإقليم، مع التفاوتات الكمية بين دولة وأخرى، قناعة بإمكانية أن تنسلخ إيران عن جلدها؟ أم أنهم يراهنون على قبول إيران، من حيث المبدأ، بأهداف أصغر تُحقَق بوسائل وأدوات متوافقة مع القوانين والأعراف الدولية؟ وتبقى المساومات حول الحجوم والأوزان.

يمتلك التحالف الغربي، ومن موقع الأقوى، مرونة ولياقة في لعبة الشد والرخي أعلى مما تمتلكه إيران. فعلى سبيل المثال، من الأسهل على أميريكا بكثير التخلي عن مصطلح “محور الشر” البعيد عن الإيديولوجيا، مقابل تخلي إيران عن مصطلحات “الشيطان الأكبر” و”إزالة الورم السرطاني الإسرائيلي” و”المقاومة والممانعة” المغلفة بقشرة عقائدية سميكة إن لم نقل مقدسة، مع أنها لا تعدم إمكانية إيجاد “الفتاوى” و”الاجتهادات” كمخرج لها. كما يمكن للغرب عدم التشدد كثيراً برفع سقف إلزام إيران بتطبيق حقوق الإنسان والحريات العامة والخاصة، بينما يصعب على إيران تحقيق الحدود الدنيا من تلك الحقوق والحريات. وهذه الأمثلة البسيطة لا تنطبق على القضايا الكبرى.

لن يقبل العالم استمرار التهديدات والتدخلات الإيرانية بواسطة الأذرع المسلحة، والخلايا الإرهابية، وشبكات التجسس، وعلاقات الهيمنة بدءاً من العراق وسوريا ولبنان وفلسطين. مروراً بالخليج واليمن والسودان. وصولاً إلى أفريقيا وأميريكا اللاتينية، وحتى أوروبا وأميريكا. كما لن تقبل دول الإقليم، تركيا والسعودية ومصر وإسرائيل، أدواراً إيرانية على حساب مصالحها وأدوارها. ناهيك عن الرفض المسبق لقنبلة نووية إيرانية من قبل الجميع.

مرة أخرى، ومع فرضية أن القيادة الإيرانية جادة في تطبيع علاقاتها مع العالم، هل يمكن لإيران أن تتخلى عن تلك الأوراق دون حصول صراع، مكشوف ومفتوح، على السلطة بين أجنحتها ومراكز قواها. نتحدث عن الصراع المكشوف والمفتوح على السلطة لأن الصراع الخفي والمتحكم به قديم، بدأ مع وفاة الخميني المؤسِّس ويزداد مع الأيام وضوحاً وحدة.

تحدثنا عن الصراع على السلطة ولم نتحدث عن الصراع داخل المجتمع الإيراني، بين الشعب والسلطة. لسنا هنا بصدد استعراض تاريخ مقاومة الشعب الإيراني للنظام، وخاصة بعد وفاة الخميني. سنكتفي بالإشارة إلى “انتفاضة” عام 2009 التي أضمرت أكثر مما أفصحت عنه. من الخطأ الفادح النظر إليها باعتبارها مجرد احتجاج “ظرفي” على التزوير “المفترض” في الانتخابات الرئاسية وحسب. كان الجدل حول الانتخابات بمثابة رأس جبل الجليد الظاهر فوق سطح الماء، أما الجبل نفسه فكان تعبيراً عن توق الشعب، و”الشبيبة” منه على وجه الخصوص، إلى الانعتاق من هذا النظام نحو الحرية والكرامة والتنمية والانفتاح على ثقافة العصر وحضارته. هذا “التوق” المتواصل في عمق المجتمع الإيراني سيحضر بشكل متزايد في خلفية وأهدف السجالات التي تشهدها إيران حول ملفها النووي وآفاقه، وأثر كل حل من الحلول المطروحة له على مستقبل إيران القريب منه والبعيد. وهذا هو الاختبار الثالث الذي ستخوضه السلطة الإيرانية. فالاتفاق النووي يدق الإسفين بين أجنحة السلطة ويجعل صراعها أكثر احتداماً، ويعدد أشكال خوضه القادمة، ومهما تكن مآلاته، سيؤثر على إعادة خلق وعي شعبي متجدد وتبلوره بشكل أوضح. كما سيتيح إمكانية موضوعية لتحرك المجتمع المدني مستقبلاً. يمكن القول، مع شيء من التفاؤل، إن الشعب الإيراني سيستفيد مما يجري بكل الأحوال.

فإذا كانت القيادة الإيرانية العليا الممسكة فعلياً بالقرار حسنة النية وجادة بالتوصل إلى اتفاق نهائي وتطبيع علاقاتها مع العالم، وتمكنت من توجيه صفعة للحرس الثوري وإلزام الجناح المتشدد بقرارها، فهذا سيؤدي بها إلى ضرورة التطبيع مع مجتمعها. ويتطلب التطبيع التقيد بالحدود الدنيا من حقوق الإنسان، وتوسيع هامش الحريات، وتحويل ما يتحصل من تخفيض الإنفاق العسكري وتصدير الثورة نحو التنمية. أما إذا تبين بالتجربة أن السلطة الإيرانية، بأجنحتها كافة، تلعب لعبة علاقات عامة لكسب المزيد من الوقت مجدداً لخدمة مشاريعها العسكرية والإقليمية. فستتقلص قاعدة النظام الاجتماعية. وستتحول شرائح وفئات اجتماعية ما تزال تراهن على إصلاح النظام من داخله وبآلياته إلى المعارضة من خارج صفوف النظام. وهذا يقوي المعارضة الجذرية والحراك المستقبلي. أما إذا دخلت إيران في حالة صراع على السلطة، مكشوف ومفتوح ولو حافظ على أشكاله السياسية والإيديولوجية. فسيجد الشعب، بالضرورة، مكاناً لنفسه في هذا الصراع.

وإذا كان الشعب الإيراني سيستفيد من الاتفاق النووي مع الدول الكبرى، فالشعوب العربية المتخوفة على أمنها واستقرارها من «صنع القنبلة النووية» الإيرانية هي الأخرى مستفيدة. كما أن الآثار الإيجابية ستشمل شعوب المنطقة والعالم، فهو لمصلحة كل هذه الشعوب.

المكتب التنفيذي لتيار مواطنة

دمشق 13-12-2013

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة