29 views

“تفاصيل” سورية.. ـ علي نون

            بالإذن..

“تفاصيل” سورية..

علي نون

المستقبل – الاثنين 28 كانون الثاني 2013 – العدد 4587 –

آخر ما قاله العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني من دافوس عن الوضع السوري إجمالاً ومصير سلطة الأسد خصوصاً، يشبه إلى حد بعيد كلاماً قاله وزير الخارجية الأميركي المعيّن جون كيري.. والكلام الذي سمعه الرئيس اللبناني ميشال سليمان من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الأسبوع الماضي.
يتلاقى الكلام في محطاته الثلاث، وفي غيرها المعلن والمضمر، عند خلاصة عامة تفيد أن سلطة الأسد انتهت. وان الخلاف (مرة جديدة) على التفاصيل: على الثمن والطريقة والتوقيت عند الروس. وعلى تثبيت أطر عمومية للمرحلة اللاحقة للسقوط، أي ما يسمى “اليوم التالي” عند الأميركيين. وعلى السبل الكفيلة بدرء مخاطر بعض الجماعات التكفيرية مثل تنظيم “القاعدة” ومشتقاته، عند بعض جيران سوريا.
الملك عبدالله الثاني أعطى الأسد مرحلة قد تمتد حتى منتصف العام الجاري. ووصف من يحكي عن نهاية في غضون أسابيع معدودة بأنه لا يعرف وقائع الأرض. ومعه حق. وكيري “اتفق” مع محدثيه في الكونغرس على أن النهاية حتمية وان الروس موافقون على ذلك.. لكن أبلغ الكلام يبقى كلام بوتين الذي أسمعه إلى الرئيس اللبناني شخصياً: “غير متمسكين بشخص الأسد”..والباقي تفاصيل.
ومن دون أدنى (أو أعلى) شك. فإن وقع الكلام الروسي على القيادة الحاكمة والمتحكمة في دمشق لا يجاريه إلا وقع أصوات المعارك والمواجهات الدائرة عند أبواب مقارها ومراكزها القلاعية الأخيرة: ثقيل ومؤلم ومقلق ومحطم للمعنويات. ولذلك ولغيره، ارتفعت على ما يبدو، وتيرة الضخ السياسي والإعلامي الإيراني في الآونة الأخيرة باتجاه التعويض عن ذلك من خلال التأكيد على مصيرية معركة بقاء الأسد في موقعه! وكأن قادة طهران يحاولون إقامة نوع من التوازن السياسي والمعنوي، ولكن هذه المرة مع موسكو، وليس مع واشنطن أو أنقرة أو باريس أو غيرها من العواصم والدول الواقفة على الضفة الأخرى لنهر الأحزان السورية.
وبغضّ النظر (بصعوبة) عن البعد الأخلاقي والنصّي الديني والتاريخي للموقف الإيراني، فإنه في راهنه يختلف عن الموقف الروسي. إذ إن سياسة موسكو تبدو مرة جديدة، وكأنها تجريبية وشغل هواة: بعد أيام من حديث سيرغي لافروف عن “استحالة” تنحي الأسد، أرسلت بلاده طائرتين إلى بيروت لنقل رعاياها من دمشق. موجهة بذلك رسالة عدم ثقة طنّانة بحليفها وقدراته ومستقبله! ثم عاد نائب لافروف، ميخائيل بوغدانوف ليعلن أن التوقّعات بانتصار المعارضة في هذه الفترة غير دقيقة، أي انها ستنتصر ولكن لاحقاً! ثم توّج بوتين شخصياً هذا المسار بإبلاغه الرئيس اللبناني ما سبق وأن أبلغه إلى كثيرين غيره في شأن قصة التمسّك تلك! وصولاً بالأمس إلى كلام رئيس الوزراء ديمتري ميدفيديف عن تأخر الأسد في تنفيذ الإصلاحات الذي “قد يكون خطأ قاتل”
شكل الأداء الروسي هذا، وان كان بالفعل يشبه أداء الهواة والمبتدئين، فإنه في عمقه يشبه أداء المقامر التاجر الذي يعرف ان بضاعته كاسدة (الدفاع عن سلطة الأسد) لكنه يعرضها وينتظر كساد بضاعة الآخرين قبله! أي انه يراهن من جديد، على دورة جنون عنفية للقوات الأسدية تحقق من خلالها بعض التقدم على الارض.. وبناء على نتائج ذلك سيُعلن ذلك التاجر “سعره” الأخير!
طهران على الجانب الآخر، لا تفعل ذلك بل “تقاتل” على طريقتها: تدفع بما تيسّر من دعم لحليفها وتضع كل مياهها في قربته المفخوتة! مع انها، في أسوأ الاحتمالات، تعرف تماماً ان “الانتصار” مستحيل وان الطريق السوري باتجاه واحد ولا عودة فيه إلى الخلف.. ومع ذلك تدخل إلى الميدان كعادتها وفق قاعدة “يا قاتل يا مقتول”.. وقتالها مؤدلج، والتعويض عن الخسارة فيه على الأرض، محفوظ بقدرة ربّ العالمين، في السماء!!.. سبق وأن شاهدنا هذا الفيلم في حرب الخليج الأولى. من يتذكّر؟!
يخطئ حلفاء الأسد مرتين. مرّة في حقه من خلال تغذية أوهامه وإيصاله إلى حائط لا فتحة فيه! ومرّة في حق سوريا وشعبها، الذي لن ينسى ولا يمكن له أن ينسى، من أعانه على نكبته، ومن أعان جلاّده على صنع تلك النكبة!

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة